
صوت الأمة : عرفات محسن
لسنا أمام خلاف كروي عادي ولا اختلاف في قراءة خطة أو تبديل. نحن أمام قضية نفسية مكتملة الأركان، اتُّخذ فيها النقد ستارًا، والمنتخب مسرحًا، ووليد الركراكي هدفًا. بعض المتكلمين يتقدّمون إلى الفضاء العام بصفة “خبراء” لا لأنهم أنجزوا، بل لأنهم أكثر كلامًا. يبنون سلطتهم الرمزية على الادعاء لا على الأثر، وحين ينجح مدرب واقعي بلغة بسيطة ونتائج ملموسة، يُصاب هذا البناء بالاهتزاز. نجاح وليد الركراكي لم يكن عندهم حدثًا رياضيًا، بل حادثًا نفسيًا، لأنه أسقط المعادلة التي يعيشون عليها: من يفهم أكثر يستحق أن ينجح.
دافع هذا الهجوم ليس الغيرة السطحية، بل خوف الأنا من فقدان وظيفتها. فهم لا يحتملون نجاحًا لا يمر عبرهم، ولا يقبلون إنجازًا لا يعترف بتفوّقهم المزعوم، ولا يتعايشون مع واقع لا يطلب تفسيرهم ليشتغل. هنا يتحوّل النقد من أداة تصحيح إلى آلية دفاع نفسي.
تتكرّر الآليات نفسها: إسقاط العجز الذاتي على المدرب، فتردّدهم يسمّونه ارتباكه، وفراغهم يسمّونه غياب مشروعه. ثم تفريغ الإنجاز من معناه: الفوز حظ، التأهل ظرف، الاستمرارية صدفة، أي تفسير إلا الاعتراف بالنجاح. وعندما تقع الهزيمة – إن وقعت – لا تكون ألمًا وطنيًا بل راحة نفسية، لأن العالم عاد ليؤكد أنهم لم يكونوا بلا قيمة.
هذا السلوك لا يسيء إلى المدرب فقط، بل إلى فكرة النقد نفسها. يفسد النقاش العام، ويحوّل التحليل إلى تصفية حساب، ويجعل المنتخب رهينة أنا مجروحة. والأخطر أنه يربّي على كراهية النجاح لا على مساءلته. من ينتقد لأنه يريد الأفضل يفرح عند الفوز ويتألم عند الهزيمة، أما من ينتقد ليحمي صورته فلا يريد منتخبًا قويًا، بل واقعًا يؤكد أنه كان محقًا.
من يحتاج إلى سقوط الآخرين ليُثبت قيمته، لم تكن له قيمة أصلًا. وليُسجَّل أخيرًا: وليد الركراكي قد يخطئ، وقد يخسر، وقد يُحاسَب، لكن ما لا يُحتمل نفسيًا عند البعض ليس خطأه، بل نجاحه.
كُتب هذا الكلام لا دفاعًا عن شخص، بل دفاعًا عن المعنى، وضد تحويل النقد إلى علاج نفسي على حساب الجماعة.
