
صوت الأمة
في أعقاب التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها المملكة المغربية، عادت قضية الماء إلى صدارة النقاش العمومي، لا بوصفها أزمة هذه المرة، بل باعتبارها فرصة. فقد كشفت الأرقام عن انتعاشة ملموسة في حقينة عدد من السدود، ووصل بعضها إلى نسبة ملء كاملة، كما هو الشأن بالنسبة لسد سيدي محمد بن عبد الله، الشريان المائي المتاخم للعاصمة الرباط والمحادي لأكبر جسر معلق في إفريقيا.
هذا المعطى، وإن كان باعثا على الارتياح، فإنه يطرح في الآن ذاته سؤالًا جوهريًا حول منطق التدبير الاستباقي بدل الاكتفاء بردّ الفعل. فحين يبلغ سد استراتيجي نسبة 100%، فإن ما يزيد عن طاقته التخزينية لا يُعد مكسبًا، بل يصبح هدرًا مؤجلًا أو خطرًا محتمَلًا. مياه تنزل من السماء، لكننا نتركها تفلت من بين أيدينا، بين بحر يستقبلها بلا مقابل ونهر قد يتحول، إن غضب، إلى تهديد.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى التفكير الجدي في توسعة سد سيدي محمد بن عبد الله، سواء عبر رفع علوه أو تعزيز طاقته الاستيعابية، بما ينسجم مع التحولات المناخية التي لم تعد تعترف بمنطق “المعدلات السنوية”، بل بمنطق النوبات القصوى: جفاف طويل يعقبه مطر غزير، قحط ممتد يتبعه فيضان مفاجئ. إننا لم نعد أمام مناخ يُدار بالذاكرة، بل بعلوم الاستشراف.
ولا يتعلق الأمر فقط بتخزين الماء، بل بحماية المجال الحضري نفسه. فالعاصمة الرباط، بما تحمله من رمزية سياسية وثقل إداري وكثافة عمرانية، لا ينبغي أن تبقى رهينة تقلبات منسوب وادٍ أو فائض سد. التوسعة هنا ليست ترفًا هندسيًا، بل إجراء وقائي، يدرأ الخطر قبل أن يقع، ويحوّل الفائض من تهديد إلى رصيد.
إن الاستثمار في رفع علو السد واستيعاب كميات إضافية من المياه هو استثمار في الأمن المائي، وفي الاستقرار الحضري، وفي العقلانية الاقتصادية. فكل متر مكعب يُخزَّن اليوم، قد يوفر غدًا ملايين الدراهم، ويجنب البلاد كلفة أزمات لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بما تخلّفه من اضطراب في الحياة اليومية للمواطنين.
لقد أثبت المغرب، عبر عقود، ريادته في سياسة السدود، لكن الريادة لا تُقاس بما أُنجز فقط، بل بالقدرة على التحيين والتطوير. وسد سيدي محمد بن عبد الله، بما له من موقع استراتيجي ودور محوري، يستحق أن يكون نموذجًا لجيل جديد من السدود: سدًّا لا يكتفي باحتجاز الماء، بل يُجسّد فكر الدولة التي تخطط، لا التي تنتظر؛ وتستبق، لا التي تُفاجأ.
فالمطر نعمة، لكن النعمة إن لم تُحسن إدارتها، انقلبت نقمة. وبين النعمة والنقمة، تقف السياسات العمومية حَكمًا، إما أن تنتصر للعقل والتخطيط، أو تترك الطبيعة تُملي شروطها بلا شريك.
