
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
الأحداث التي تصلنا عبر مقاطع الفيديو القادمة من الجزائر لم تعد مجرد صور عابرة، بل تحولت إلى شهادات صادمة عن واقع كارثي بكل المقاييس. واقع يعكس وضعًا مأزومًا تعيشه البلاد نتيجة سياسات متراكمة انتهجتها السلطة الحاكمة، حيث يبدو المواطن الجزائري وكأنه عالق في زمن خارج التاريخ.
بلد يزخر بثروات طبيعية هائلة، لكنه يعاني من غياب أبسط مقومات العيش الكريم: لا بنى تحتية تليق بدولة حديثة، ولا منظومة نقل فعالة، ولا قطاع صحي قادر على الاستجابة، ولا تعليم يحصّن الأجيال. نسب الأمية، حسب الإحصائيات، ما تزال مرتفعة، والطوابير الطويلة على الزيت والحليب والغاز أصبحت مشهدًا يوميًا يختصر عمق الأزمة، وما خفي أعظم.
الماء ينقطع، والكهرباء تغيب، والشوارع محفّرة، والأمطار تتحول إلى كوارث تغرق الأحياء، في ظل غياب واضح للتدخل الجاد والمحاسبة. وفي المقابل، لا يُواجَه هذا الواقع إلا بمنطق القمع والتخويف، حيث يُجرَّم الكلام، ويُخوَّن النقد، وكأن الصمت فضيلة وطنية.

المفارقة المؤلمة أن ما يُصوَّر من داخل الجزائر ويُنشر للعالم، يُقابَل أحيانًا بإنكار من بعض الجزائريين أنفسهم، لا دفاعًا عن الحقيقة، بل خوفًا من شماتة الخارج. وكأن المشكلة ليست في البؤس ذاته، بل في الكاميرا التي وثّقته، لا في السياسات التي صنعته وأدامته.
أما الخطاب الرسمي، فيبدو وكأنه قادم من عالم موازٍ؛ مسؤولون يتحدثون عن إنجازات وهمية، بينما يعيشون هم وأبناؤهم في رفاهية خارج الوطن، بعيدًا عن طوابير الخبز ومعاناة المستشفيات والمدارس المتهالكة. تُنهب الثروات، وتُهرَّب الأموال، ويُترك الشعب يواجه واقعه القاسي وحيدًا.
لكن تحميل المسؤولية لا يجب أن يقتصر على من يحكم فقط، بل يمتد أيضًا إلى حالة الصمت الجماعي التي سمحت باستمرار هذا الوضع. فالتطبيع مع الفشل، والتعايش مع الرداءة، واعتبار النقد خيانة، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة. فالأوطان لا تُدار بالخوف، ولا تُصلَح بالإنكار.

إن الوطنية الحقة لا تعني الدفاع عن الخطأ، ولا تبرير الفساد، ولا مهاجمة من ينقل الواقع، بل تعني الوعي، والمساءلة، والمطالبة بالإصلاح. فالصمت الطويل لا يحمي الأوطان، بل قد يتحول، في كثير من الأحيان، إلى شكل من أشكال التواطؤ.
ويبقى السؤال مفتوحًا بإلحاح:
من يحكم الجزائر فعلًا… الجنرالات أم الصمت الجماعي؟
