
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
لم يكن ما وقع في حي عين النقبي بمقاطعة جنان الورد بمدينة فاس مجرد “حادث عرضي”، بل كان كارثة مكتملة الأركان، صنعتها سنوات من الصمت، والتغاضي، وغياب المراقبة، وترك المواطنين يواجهون الموت داخل بنايات متشققة تنتظر لحظة الانهيار.
ففي الساعات الأولى من صباح الخميس 21 ماي 2026، انهارت عمارة سكنية وسط الحي الشعبي، مخلفة قتلى وجرحى وعائلات تحت الأنقاض، في مشهد يهز الضمير الإنساني قبل أن يهز جدران الإسمنت.
أمام هذه الفاجعة، لا يسعنا إلا أن نتقدم بأحر التعازي إلى أسر الضحايا، وأن نترحم على الأرواح التي أزهقت بسبب الإهمال، لا بسبب القدر وحده. فالقدر لا يبني عمارات عشوائية، ولا يسمح ببقاء بنايات مهددة بالسقوط وسط أحياء مكتظة بالسكان. البشر هم من يفعلون ذلك، والمسؤولون هم من يصمتون عنه.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: “كيف انهارت العمارة؟”
بل: لماذا تُركت أصلًا قائمة إلى أن انهارت فوق رؤوس الأبرياء؟
المؤلم أن منطقة جنان الورد ليست جديدة على هذا النوع من الكوارث. فقد شهدت الأشهر الماضية حوادث انهيار مشابهة، بعضها انتهى دون ضحايا فقط لأن السكان غادروا المباني في اللحظة الأخيرة. تقارير إعلامية سابقة تحدثت عن تشققات، وعن بنايات آيلة للسقوط، وعن شكاوى متكررة من السكان دون تدخل حاسم.
وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
أين كانت لجان المراقبة؟
أين كانت الجماعة؟
أين كانت مصالح التعمير والسلطات المحلية؟
ومن سمح أصلًا بانتشار هذا النوع من البناء الهش داخل أحياء مكتظة بالفقر والهشاشة؟
لا يكفي اليوم أن تخرج التصريحات المعتادة عن “فتح تحقيق”.
التحقيق الحقيقي يجب أن يبدأ من ملفات الرخص، ومن شبكات الفساد التي حولت بعض الأحياء إلى قنابل إسمنتية موقوتة، ومن كل مسؤول فضل توقيع الأوراق بدل النزول إلى الميدان ومعاينة الخطر بأم عينه.
فحين تصبح حياة الفقراء أرخص من تكلفة الترميم، تتحول المدن إلى مصائد موت جماعي.

إن ما حدث في جنان الورد ليس مجرد انهيار بناية، بل انهيار لمنظومة كاملة:
انهيار للرقابة،
وانهيار للمحاسبة،
وانهيار للإحساس بقيمة الإنسان البسيط.
والأخطر من كل ذلك، أن المغاربة اعتادوا سماع هذه الأخبار:
“بناية تنهار”…
“قتلى تحت الأنقاض”…
“فتح تحقيق”…
ثم يعود كل شيء إلى الصمت، إلى أن تقع الفاجعة التالية.
فاس اليوم لا تحتاج فقط إلى إزالة الأنقاض، بل إلى إزالة عقلية الإفلات من المسؤولية.
لأن أرواح الضحايا ليست أرقامًا في نشرة أخبار، بل أمانة في أعناق كل من أهمل، وسكت، ووقع، وتغاضى.
رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، ولتكن فاجعة جنان الورد آخر إنذار قبل أن تنهار مدن بأكملها فوق سكانها.
