
المصطفى دراكي: صوت الأمة
في كل موسم عيد، ترتفع أصوات التذمر من “الشناقة” والمضاربين، ويوجه الغضب غالبا نحو باعة الأضاحي باعتبارهم المتهم الأول في إشعال الأسعار وإثقال كاهل الأسر. غير أن الحقيقة التي يتهرب كثيرون من مواجهتها هي أن “الشناقة” ليسوا دائما أولئك الواقفين في أسواق المواشي فقط، بل إن الظاهرة تسللت إلى تفاصيل حياتنا اليومية حتى صار بعضنا يمارسها بشكل عادي ويبررها بعبارة واحدة: “العيد هذا”.
فما الفرق بين من يرفع ثمن الخروف بشكل مبالغ فيه، وبين سائق سيارة الأجرة الذي يضاعف التسعيرة لأنه يعلم أن الناس مضطرون للتنقل؟ وما الفرق بينه وبين صاحب الفرن الذي يبيع الخبزة بدرهمين بعدما كانت بدرهم واحد قبل أيام قليلة فقط؟ أو بائع الفواكه الذي يخزن السلع قبيل العيد ليفرض أثمنة جديدة مستغلا كثافة الطلب وقلة العرض؟
اقتصاديا، ما يحدث يسمى “الاستغلال الظرفي للطلب”. ففي المناسبات الكبرى يرتفع الإقبال على بعض الخدمات والمواد، فيلجأ البعض إلى رفع الأسعار ليس بسبب ارتفاع التكلفة الحقيقية، بل بسبب اقتناعهم بأن المستهلك مضطر للشراء مهما كان الثمن. هنا يتحول السوق من فضاء للتبادل العادل إلى ساحة لاقتناص الفرص وتحقيق الربح السريع ولو على حساب القدرة الشرائية للناس.
لكن الخطير في الأمر ليس فقط الجانب الاقتصادي، ولكن في الجانب الاجتماعي والأخلاقي أيضا. فحين يصبح الاستغلال سلوكاً عاديا ومبررا مجتمعيا، تتآكل قيم التضامن والتراحم التي يفترض أن ترافق الأعياد والمناسبات الدينية. العيد في جوهره مناسبة للفرح الجماعي وصلة الرحم والتكافل، لكنه يتحول عند البعض إلى موسم “لضرب الطم” وتحقيق أرباح استثنائية على حساب البسطاء.
المفارقة المؤلمة أن كثيرين يلعنون “الشناقة” صباحا ثم يمارسون نفس السلوك مساء حين تتاح لهم الفرصة. الموظف الذي يبيع خدمة بزيادة، والتاجر الذي يحتكر سلعة، والسائق الذي يستغل حاجة الناس، كلهم يشاركون بدرجات مختلفة في نفس المنظومة. لذلك فالمشكلة ليست في فئة بعينها، وإنما في ثقافة كاملة باتت تعتبر استغلال الحاجة نوعا (كما يقول إخوتنا المصريين) من “الفهلوة” والذكاء التجاري.
لا أحد يرفض الربح، فالربح أساس التجارة، لكن هناك فرقا شاسعا بين الربح المشروع والاستغلال. السوق الذي يفقد ضميره يتحول إلى غابة، والمجتمع الذي يبرر الجشع في التفاصيل الصغيرة لن ينجح في محاربة الفساد الكبير. لذلك، قبل أن نوجه أصابع الاتهام إلى “الشناقة الكبار”، ربما علينا أولا أن نسأل أنفسنا بصدق: كم واحدا منا مارس “تشناقت”بطريقته الخاصة ثم أقنع نفسه أن الأمر عادي لأن “العيد هذا”؟
