
صوت الامة وضاح عبد العزيز
لا أحد يمكنه أن ينكر أن جمال العسري ظهر في برنامج «ساعة الصراحة» بثقة سياسية وحضور قوي، مدافعاً عن اليسار وعن المشروع السياسي للحزب الاشتراكي الموحد. بدا متماسكاً في الدفاع عن مواقفه، وواضحاً في انتقاد السياسات العمومية، غير أن الحلقة أعادت إلى ذهني سؤالاً ظل يؤرقني منذ أسابيع، وهو سؤال لا يتعلق بأداء العسري في البرنامج بقدر ما يتعلق بالممارسة الديمقراطية داخل الحزب نفسه.
فالحزب الاشتراكي الموحد يقدم نفسه باستمرار باعتباره حزباً يؤمن بالديمقراطية الداخلية، ويُوجّه انتقادات حادة للأحزاب التي تُتخذ فيها القرارات من الأعلى، أو التي تتحكم فيها القيادات بعيداً عن إرادة القواعد. لكن ما وقع في دائرة أنفا يطرح، في نظري، سؤالاً مشروعاً: هل يتطابق الخطاب مع الممارسة؟
بحسب المعطيات التي توصلت إليها من خلال اتصالاتي بعدد من المنتمين للحزب، فقد أفرز فرع أنفا، عبر مسطرة داخلية، اسم الأستاذ عبد الله أبا عقيل لتمثيل الدائرة. غير أنه، قبل وضع اللوائح النهائية، تم اعتماد اسم نبيلة منيب بدل الاسم الذي اختاره الفرع.
وعندما تواصلت مع الأمين العام جمال العسري وسألته إن كان التغيير قد حصل في “الدقيقة التسعين”، نفى هذا الوصف. وفي المقابل، عندما طرحت السؤال نفسه على الأستاذ عبد الله أبا عقيل، أكد أن التغيير حصل في مرحلة متأخرة وفق ما يسمح به القانون الداخلي للحزب، وأضاف أنه يحترم هذا القانون، مع إشارته إلى أن هناك قضايا تنظيمية تستحق النقاش في المؤتمر المقبل.
ومن اللافت أيضاً أن أبا عقيل عبّر عن أمله في أن تكون الطريقة التي تم بها تغييره بنبيلة منيب مجرد استثناء، لا قاعدة عامة، لأن تكرارها، في نظره، يعني أن هناك شيئاً غير واضح على مستوى الرؤية. وأضاف أن «بعد 23 شتنبر سيكون لي كلام في هذا الموضوع»، بما يوحي بأن الواقعة قد تفتح نقاشاً أوسع حول طريقة تدبير القرار داخل الحزب.
وهنا يبرز السؤال الذي أراه جوهرياً: هل تكفي شرعية القانون وحدها؟ أم أن الأحزاب التي ترفع شعار الديمقراطية مطالبة أيضاً باحترام الروح الديمقراطية والأخلاق السياسية؟
قد يكون القرار قانونياً وفق المساطر الداخلية، لكن الديمقراطية ليست مجرد نصوص، بل هي أيضاً احترام لإرادة المناضلين الذين شاركوا في اختيار ممثلهم. فإذا كانت القيادة تمتلك صلاحية تغيير ما أفرزته القواعد، فما القيمة السياسية والتنظيمية لتلك الانتخابات الداخلية؟ وكيف يمكن إقناع المناضلين بأن أصواتهم مؤثرة إذا كان القرار النهائي يمكن أن يُحسم في مستوى آخر؟
هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر لأن الحزب نفسه لا يتردد في انتقاد ما يسميه “الأحزاب الإدارية” وغياب الديمقراطية داخلها. وإذا كانت الممارسة داخل الحزب تسمح، ولو قانونياً، بتجاوز اختيار الفروع، فإن من حق المتتبع أن يتساءل: أين ينتهي الاختلاف بين الخطاب الذي ينتقد الآخرين، والممارسة التي قد تُفهم بالطريقة نفسها؟
لا أطرح هذا السؤال للتشكيك في تاريخ الحزب، ولا في نضالات رجالاته ونسائه الذين بصموا الحياة السياسية المغربية بأخلاقهم واستقامتهم، من أمثال الراحلين الذين شكلوا رموزاً للنضال الديمقراطي. بل أطرحه لأن الأحزاب ذات المرجعية اليسارية مطالبة بأن تكون أكثر صرامة مع نفسها، وأن تكون ممارستها منسجمة مع خطابها.
لقد كان جمال العسري مقنعاً في الدفاع عن اليسار خلال الحلقة، لكنه، في تقديري، لم ينجح في تبديد هذا التساؤل الجوهري: كيف يطالب الحزب بتوسيع الديمقراطية في الدولة، إذا كانت بعض ممارساته الداخلية تثير نقاشاً حول مدى احترام إرادة قواعده؟
إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بمدى احترام القانون، وإنما أيضاً بمدى احترام الثقة التي يمنحها المناضلون لمؤسساتهم. وعندما يفترق القانون عن الإحساس بالإنصاف، يصبح من حق الجميع أن يطرح السؤال، لا من باب الخصومة السياسية، بل من باب الحرص على مصداقية الخطاب السياسي نفسه.
