
صوت الامة : وضاح عبد العزيز
في مداخلته أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، يوم الأربعاء 7 يناير 2026، بمناسبة مناقشة مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، أثار وزير العدل عبد اللطيف وهبي مسألة أثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والمهنية.
فقد عبّر الوزير عن استيائه من مستوى بعض المذكرات التي قال إنه اطلع عليها أمام محكمة النقض، معتبراً أن بعض المحامين لا يتوفرون على التجربة والتكوين الكافيين للاضطلاع بمهام قانونية دقيقة، ومشككاً في مدى أهلية المحامين المبتدئين للترافع أمام القضاء الدستوري.
وإذا كان من حق وزير العدل أن يثير مسألة جودة العمل القانوني، وأن يدافع عن ضرورة الارتقاء بمستوى المذكرات والدفوع القضائية، فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق توجيه النقد إلى المحامين الشباب هو: من المسؤول عن إعداد هؤلاء المحامين وتأهيلهم لممارسة المهنة؟ وهل يمكن فصل مستوى المحامي عن طبيعة التكوين الذي تلقاه قبل ولوجه إلى الممارسة المهنية؟
إن الإشكال، في تقديري، أعمق بكثير من مجرد ضعف بعض المذكرات القانونية، ولا يمكن معالجته من خلال تحميل المحامي المبتدئ وحده مسؤولية اختلالات قد تكون جذورها ممتدة إلى سنوات التكوين الجامعي.
فالمحامي الذي يلتحق بمهنة المحاماة قادماً من الجامعة يحمل معه حصيلة تكوين أكاديمي تلقاه خلال سنوات الإجازة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يتيح هذا التكوين للطالب اكتساب المهارات القانونية والمنهجية والعملية التي تؤهله لممارسة مهنة المحاماة؟
إن الإشكال الذي ينبغي الوقوف عنده هو طبيعة التكوين الجامعي نفسه، ومدى قدرته على الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. فالطالب قد يقضي سنوات في دراسة القوانين والنظريات والمفاهيم القانونية، لكنه لا يجد بالضرورة داخل مساره الجامعي ما يكفي من التمرين على تحليل الأحكام القضائية، وصياغة المذكرات، وبناء الدفوع، وتطوير القدرة على المناقشة القانونية والحجاج والاستدلال.
وهذا ما يجعل الانتقال من الجامعة إلى الممارسة المهنية انتقالاً محفوفاً بالصعوبات، لأن المعرفة بالنص القانوني شيء، والقدرة على توظيفه في بناء حجة قانونية متماسكة شيء آخر.
ومن هنا، فإن ضعف بعض المذكرات لا ينبغي أن يكون مدخلاً لإدانة جيل كامل من المحامين، بل مناسبة لفتح نقاش جدي حول مسؤولية الجامعة في التكوين، ومسؤولية مؤسسات التأطير المهني في استكمال هذا التكوين، وتوفير شروط اكتساب الخبرة والتدرج في الممارسة.
ولا يمكن أن نغفل أن الخبرة المهنية لا تُكتسب بقرار إداري، ولا تُمنح بمجرد الحصول على شهادة جامعية أو الولوج إلى المهنة، وإنما تتكون عبر الممارسة والتكوين المستمر والاحتكاك بالتجارب المهنية والاستفادة من تأطير المحامين المتمرسين.
وإذا كان الوزير يستحضر تجربته الشخصية، ويتحدث عن السنوات التي قضاها في تعلم تحرير مذكرات النقض تحت إشراف أساتذته، فإن هذه التجربة نفسها تؤكد أهمية التأطير المهني والتدرج في اكتساب المهارات. لكنها لا تبرر تحويل شروط اكتساب الخبرة إلى حواجز أمام المحامين الجدد، بل تدعونا إلى التساؤل عن مدى توفر الأجيال الحالية على فرص مماثلة للتكوين والتأطير.
إن الدفاع عن جودة الترافع أمام محكمة النقض أو المحكمة الدستورية لا يتعارض مع حق المحامين الشباب في التطور واكتساب الخبرة، كما أن حماية المؤسسات القضائية من المذكرات الضعيفة لا ينبغي أن تتحول إلى إقصاء لفئة مهنية بأكملها.
والأجدر بوزارة العدل، وبالجامعات وهيئات المحامين، أن تنخرط في معالجة الأسباب الحقيقية لهذه الإشكالات، من خلال مراجعة مضامين التكوين الجامعي، وتعزيز الجانب التطبيقي في تدريس القانون، وتطوير برامج التكوين المستمر، وإرساء آليات فعالة للتأطير والتوجيه المهني.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: لماذا يكتب بعض المحامين الشباب مذكرات ضعيفة؟ بل أيضاً: ماذا قدمت منظومة التكوين الجامعي والمهني لهؤلاء الشباب حتى ننتظر منهم مذكرات قانونية رفيعة المستوى؟
فلا يمكن أن نطالب المحامي بامتلاك أدوات لم تتح له فرصة اكتسابها، ثم نحاسبه وحده على غيابها.
إن إصلاح العدالة يبدأ أيضاً من إصلاح التكوين القانوني، والارتقاء بجودة التعليم الجامعي، وبناء جسور حقيقية بين الجامعة والممارسة المهنية. أما الاكتفاء بانتقاد النتائج دون مساءلة الأسباب، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها.
فالرهان ليس في إغلاق الأبواب أمام المحامين الشباب، وإنما في إعدادهم وتأهيلهم حتى يصبحوا قادرين على الارتقاء بمستوى المهنة والدفاع عن حقوق المتقاضين والمساهمة في تطوير الاجتهاد القضائي.
