إذا كانت السلطة الفعلية بيد الإدارة، فمن يحاسب المنتخبين – صوت الامة

أخر أخبار

إذا كانت السلطة الفعلية بيد الإدارة، فمن يحاسب المنتخبين

8 أكتوبر 2026
A+
A-

 

صوت الامة :وضاح عبد العزيز

في مداخلة أثارت الكثير من النقاش، طرح محمد أوجار، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار ووزير العدل الأسبق، كلاماً مباشراً حول طبيعة العلاقة بين المنتخبين والإدارة الترابية، وحول حجم الاختصاصات التي تملكها المؤسسات المنتخبة في تدبير الشأن العام.

أوجار لم يكتفِ بالحديث عن ضعف الأحزاب، بل ذهب إلى صلب العلاقة بين المنتخب والإدارة، متسائلاً عن حجم الاختصاصات التي تملكها الجماعات الترابية، وعن حجم الميزانيات التي تدبرها، قبل أن يجيب بأن الأمر، حسب تعبيره، «لا يرقى حتى إلى 10 في المئة». كما شدد على ضرورة عدم تحميل المنتخبين وحدهم مسؤولية الاختلالات، في وقت توجد فيه سلطة إدارية واسعة ممثلة في الولاة والعمال.

وهنا بالضبط تبدأ الأسئلة التي تستحق أن تطرح بعيداً عن الأشخاص والأحزاب.

إذا كانت الاختصاصات التي يتوفر عليها المنتخبون محدودة إلى هذا الحد، وإذا كانت الإدارة الترابية حاضرة بقوة في تدبير الشأن المحلي، فلماذا يتم تحميل المنتخبين وحدهم مسؤولية نتائج السياسات العمومية المحلية؟

وإذا كان المنتخب هو الذي يواجه المواطن يومياً، ويُطالب بتقديم الحصيلة والدفاع عن المشاريع والميزانيات والقرارات، بينما توجد إلى جانبه سلطة إدارية تمثل الدولة وتمارس اختصاصات واسعة، فأين تبدأ مسؤولية المنتخب وأين تنتهي؟ وأين تبدأ مسؤولية الإدارة وأين تنتهي؟

السؤال يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالميزانيات.

من يحدد الأولويات في توزيع الموارد؟

من يقرر أي مشروع ينبغي أن يبدأ أولاً؟

ومن يحدد أي إصلاح له الأولوية وأي مشروع يمكن تأجيله؟

وما هي المعايير التي تحكم توزيع الاعتمادات بين مختلف العمالات والأقاليم؟

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف يتم التعامل مع توزيع الميزانيات بين العمالات والأقاليم؟

هل يتم ذلك وفق حاجيات السكان؟

أم وفق مؤشرات ديموغرافية ومجالية واقتصادية واضحة؟

أم وفق برامج وأولويات وطنية؟

وكيف تتم مراقبة هذا التوزيع والتأكد من انسجامه مع مبدأ العدالة المجالية؟

هذه الأسئلة لا تستهدف الإدارة الترابية بقدر ما تبحث عن توضيح العلاقة بين المسؤولية والاختصاص.

فإذا كان المنتخب مطالباً أمام المواطنين بتقديم الحصيلة، فمن الطبيعي أن تكون لديه في المقابل صلاحيات حقيقية وموارد تمكنه من تنفيذ برنامجه.

أما إذا كانت مساحة القرار السياسي والمؤسساتي محدودة، فإن تحميل المنتخب وحده مسؤولية كل ما يقع داخل الجماعة أو الجهة يصبح موضوعاً يحتاج إلى نقاش هادئ وصريح.

ومن هنا يصل النقاش إلى سؤال أكبر:

إذا كان جزء مهم من القرار مرتبطاً بالإدارة الترابية، فما الجدوى من الانتخابات إذا لم يكن المنتخب قادراً على ممارسة الاختصاصات التي تمكنه من تنفيذ البرنامج الذي انتُخب على أساسه؟

المواطن يصوت على حزب وبرنامج ومرشحين، ثم ينتظر منهم نتائج ملموسة. والمنتخب بدوره يحتاج إلى اختصاصات وموارد وحرية في اتخاذ القرار حتى يستطيع الوفاء بما وعد به.

لذلك فإن كلام أوجار يفتح، قبل أي شيء، نقاشاً حول المسؤولية السياسية والمؤسساتية.

إذا كان المنتخب مسؤولاً أمام المواطنين، فيجب أن تكون لديه صلاحيات واضحة. وإذا كانت الإدارة الترابية تملك اختصاصات أو آليات مؤثرة في القرار، فيجب أن تكون حدود تدخلها واضحة أيضاً، وأن تكون قواعد توزيع الموارد واتخاذ الأولويات معروفة وقابلة للنقاش والتقييم.

المسألة في النهاية ليست من يتحكم ومن لا يتحكم، وإنما سؤال أبسط وأعمق:

من يملك القرار؟ ومن يملك الموارد؟ ومن يتحمل المسؤولية أمام المواطن؟

وهذه الأسئلة التي أعاد محمد أوجار طرحها في مداخلته، تستحق أن تظل مطروحة في النقاش العمومي، لأنها تتعلق بجوهر العلاقة بين الانتخابات، والسلطة، والإدارة، والمسؤولية.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: