الصحراء المغربية : هل أعلن بلاغ الديوان الملكي نهاية مرحلة وبداية أخرى – صوت الامة

أخر أخبار

الصحراء المغربية : هل أعلن بلاغ الديوان الملكي نهاية مرحلة وبداية أخرى

31 أكتوبر 2026
A+
A-

صوت الامة :وضاح عبد العزيز

لم يكن بلاغ الديوان الملكي مجرد إعلان عن موقف سياسي عابر، أو تعبير عن رد فعل ظرفي إزاء تطورات داخل مجلس الأمن؛ بل حمل في مضامينه رسائل سياسية ودبلوماسية بالغة الدلالة، عكست حجم التحول الذي يشهده تدبير ملف الصحراء المغربية، وأوحت بأن مرحلة طويلة من الانتظار والمراهنة على المسارات الأممية التقليدية باتت تقترب من نهايتها.

فبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً على إحداث بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، وأكثر من نصف قرن على استمرار النزاع، يجد المسار الأممي نفسه أمام اختبار حقيقي، بعدما عجز، طوال هذه العقود، عن إنتاج تسوية سياسية نهائية تحظى بقبول الأطراف المعنية.

لقد اختار المغرب، الذي ظل لسنوات يتبنى سياسة اليد الممدودة، ويؤكد تمسكه بالحل السياسي والتفاوضي، أن يرفع سقف موقفه، وأن يطرح، بصورة أكثر وضوحاً، سؤال جدوى استمرار آلية أممية لم تنجح في تحقيق الغاية التي أُنشئت من أجلها.

إن الرسالة الأبرز في هذا التحول هي أن المغرب لم يعد مستعداً للتعامل مع الزمن الأممي باعتباره مبرراً لاستمرار الوضع القائم إلى ما لا نهاية.

وتكتسي التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن أهمية استثنائية، بالنظر إلى ما أفرزته من ارتباك في المواقف الدولية، ولا سيما في ظل التباين الروسي الأمريكي بشأن مشروع القرار المتعلق بتمديد ولاية بعثة المينورسو. وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة مجلس الأمن على الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بشأن هذا الملف، في ظل تصاعد التجاذبات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.

وإذا كانت هذه التطورات قد شكلت مفاجأة في حسابات بعض الأطراف، فإنها تكشف، في المقابل، أن ملف الصحراء لم يعد منفصلاً عن صراعات النفوذ والتوازنات الدولية، وأن تدبيره بات يتأثر، بصورة متزايدة، بحسابات تتجاوز حدود المنطقة.

لكن هل يعني هذا التحول أن المغرب يتجه نحو إنهاء المسار الأممي أو سحب الملف من مجلس الأمن؟

من الواضح أن مثل هذا الخيار، إن طُرح، لا يمكن التعامل معه باعتباره قراراً بسيطاً أو إجراءً قابلاً للتنفيذ بمجرد إعلان موقف سياسي. فإعادة صياغة الإطار الدولي الذي يُدار من خلاله النزاع تقتضي عملاً دبلوماسياً معقداً، واتصالات واسعة، وبناء تحالفات جديدة، وبلورة بدائل واقعية تضمن حماية المصالح الاستراتيجية للمغرب، وتحول دون ترك فراغ سياسي أو أمني في المنطقة.

كما أن أي تغيير جوهري في وظيفة بعثة المينورسو أو طبيعة حضورها الميداني يطرح أسئلة أمنية دقيقة، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الإقليمي واحتمالات عودة التوتر العسكري إلى الواجهة.

ومن هنا تبرز أهمية التشديد على المحافظة على وقف إطلاق النار، باعتباره عنصراً أساسياً في تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. فالموقف المغربي، مهما ارتفع سقف رسائله السياسية، لا يمكن فصله عن ضرورة حماية الأمن والاستقرار وصون سلامة المواطنين المغاربة في الأقاليم الجنوبية.

وفي المقابل، لا ينبغي قراءة البلاغ الملكي باعتباره تراجعاً عن المبادئ التي قامت عليها المقاربة المغربية خلال السنوات الأخيرة؛ ذلك أن التمسك بمقترح الحكم الذاتي، ومواصلة الدينامية الدبلوماسية التي راكمها المغرب على المستوى الدولي، يظلان عنصرين أساسيين في تصور الحل السياسي للنزاع.

وهنا تكمن أهمية قراءة البلاغ في شموليته، لا التوقف عند بعض عباراته أو استخلاص مواقف نهائية من جزء معزول عن سياقه العام. فخاتمة البلاغ ليست تفصيلاً تكميلياً، بل قد تكون المفتاح لفهم الرسائل الواردة في بدايته، وما تحمله من دلالات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة.

إننا، على ما يبدو، أمام لحظة مفصلية في تاريخ هذا النزاع؛ لحظة تفرض إعادة تقييم المسار الأممي، وفهم التحولات التي طرأت على موازين القوى الدولية، واستيعاب حدود الرهان على التوافق داخل مجلس الأمن.

ويبقى السؤال الأكثر إثارة للانتباه: ما الذي دفع روسيا إلى تبني موقف دبلوماسي مغاير للموقف الأمريكي، وهل يتعلق الأمر باختلاف حقيقي حول مضامين القرار، أم أنه جزء من لعبة أوسع لتوظيف ملف الصحراء في سياق الصراع الجيوسياسي بين موسكو وواشنطن؟

وهل فوجئ المغرب بهذا التحول الروسي، أم أن الأمر يدخل ضمن حسابات دبلوماسية كانت متوقعة، ولكنها تفرض اليوم إعادة ترتيب الأوراق؟

وما حدود تأثير هذا التطور على مستقبل بعثة المينورسو، وعلى المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة؟

أسئلة كثيرة تستحق النقاش والتحليل، بعيداً عن القراءات المتسرعة والأحكام الانفعالية؛ لأن ما يجري لا يتعلق فقط بقرار أممي أو خلاف بين قوتين دوليتين، بل بتحول محتمل في قواعد تدبير واحد من أعقد الملفات السياسية والدبلوماسية في المنطقة.

تريثوا في قراءة البلاغ، وتأملوا مضامينه كاملة؛ فليس بالضرورة أن تكون الرسالة الأهم في بدايته، بل ربما تكمن دلالتها الحقيقية في خاتمته.

وغداً، سنخصص حلقة جديدة من برنامج بودكاست كلام في السياسة للوقوف عند خلفيات هذه التطورات، وتحليل تداعياتها السياسية والدبلوماسية والأمنية، وقراءة ما تحمله من مؤشرات بشأن مستقبل قضية الصحراء المغربية، وذلك في سياق الاحتفاء بالذكرى الأولى لعيد الوحدة.

فهل نحن أمام نهاية مرحلة من تدبير النزاع، وبداية مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم قواعد الاشتباك الدبلوماسي؟

وهل تحولت موسكو، من خلال موقفها الأخير، إلى لاعب يملك أوراقاً جديدة في ملف الصحراء، أم أن ما حدث ليس سوى فصل آخر من فصول الصراع الدولي على النفوذ؟

أسئلة مفتوحة، وإجاباتها قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: