المختار لغزيوي : حين تستعيد الصحافة أبناءها – صوت الامة

أخر أخبار

المختار لغزيوي : حين تستعيد الصحافة أبناءها

6 أكتوبر 2026
A+
A-

صوت الامة : وضاح عبد العزيز

وبهذه المناسبة، أتقدم بخالص التهاني للأستاذ المختار لغزيوي بمناسبة انتخابه رئيسًا للمجلس الوطني للصحافة، متمنيًا له كامل التوفيق والنجاح في تحمل هذه المسؤولية، وفي قيادة المرحلة المقبلة بروح مهنية جامعة تعيد للصحافة المغربية قوتها ومكانتها.

في مقاله الذي اختار له عنوانًا دالًا: «صحافة تستعيد أبناءها!»، يضع الأستاذ المختار لغزيوي، رئيس المجلس الوطني للصحافة، إصبعه على واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في المشهد الصحافي المغربي: كيف يمكن لمهنة أنهكتها الخلافات والصراعات أن تستعيد توازنها، وتفتح صفحة جديدة عنوانها العمل المشترك، والمسؤولية، والانتصار للمهنة قبل الأشخاص؟

إن قيمة هذا الطرح لا تكمن فقط في الدعوة إلى مجلس جامع للصحافيين والناشرين، وإنما في الجرأة على التفكير في المستقبل بعيدًا عن ثقل الماضي، وفي الإقرار بأن استمرار الصحافة في استنزاف طاقتها داخل صراعاتها الداخلية لن يخدم أحدًا، بل قد يضعف المهنة نفسها ويهدد قدرتها على القيام برسالتها النبيلة.

لقد آن الأوان، بالفعل، لأن ندرك أن الاختلاف داخل الجسم الصحافي أمر طبيعي، بل ضروري، ما دام اختلافًا في الرؤى والاجتهادات، وليس خصومة دائمة تتحول إلى قطيعة أو تصفية حسابات. فالصحافة لا يمكن أن تكون قوية في مواجهة المجتمع والدولة ومختلف المؤسسات، إذا كانت عاجزة عن بناء حد أدنى من التوافق داخل بيتها المهني.

ومن هنا تكتسب فكرة «المجلس الجامع» معناها الحقيقي.

المقصود ليس أن يصبح الجميع نسخة واحدة، ولا أن تختفي التعددية أو النقد أو الاختلاف، وإنما أن نؤسس لثقافة جديدة يكون فيها الاختلاف وسيلة لتطوير المهنة، لا سببًا لهدمها. وأن يصبح التنافس تنافسًا في جودة العمل، وفي احترام أخلاقيات المهنة، وفي الدفاع عن استقلالية الصحافة وكرامة العاملين فيها.

لقد دفعت الصحافة المغربية، مثل غيرها من المهن، ثمنًا باهظًا لبعض صراعاتها الداخلية. وربما آن الأوان لكي نتوقف قليلًا أمام سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا ربحنا من كل تلك المعارك؟ وماذا خسرت المهنة؟

ليس المطلوب اليوم البحث عن المنتصر والمنهزم، لأن استمرار البحث عنهما يعني أننا ما زلنا أسرى للماضي. والمرحلة الجديدة تحتاج إلى منطق آخر: أن تنتصر الصحافة نفسها.

فالصحافي الذي يختلف مع زميله اليوم، قد يحتاج إليه غدًا للدفاع عن قضية مهنية مشتركة. والناشر الذي يختلف مع صحافي أو مؤسسة إعلامية، تجمعه في نهاية المطاف مصالح ومسؤوليات مشتركة تتعلق باستمرار المقاولة الصحافية، وحماية المهنة، وضمان شروط العمل الكريم.

ولهذا فإن المصالحة داخل الجسم الصحافي ليست ترفًا، وليست شعارًا للاستهلاك، وإنما أصبحت ضرورة مهنية وأخلاقية.

والأجمل في طرح الأستاذ لغزيوي أنه لا ينظر إلى المرحلة باعتبارها محطة لتصفية الحسابات، بل باعتبارها فرصة لإعادة بناء الثقة. والثقة هي رأس مال أي مهنة؛ فإذا فقدتها، يصبح كل مشروع للإصلاح معرضًا للتعثر مهما كانت نواياه حسنة.

إن المجلس الوطني للصحافة، في صيغته الجديدة، أمام مسؤولية كبيرة، ليس فقط في تدبير الاختصاصات المنوطة به، وإنما في المساهمة في إعادة الاعتبار إلى فكرة العمل الجماعي داخل الجسم الصحافي. وهذه مسؤولية لا تقع على المجلس وحده، بل على الصحافيين والناشرين والهيئات المهنية وكل من يؤمن بأن الصحافة الوطنية ليست مجرد مهنة، وإنما إحدى ركائز المجتمع.

ولذلك، فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد القرارات أو المراسيم أو المبادرات، وإنما بمدى قدرتنا على الانتقال من ثقافة الخصومة إلى ثقافة الحوار، ومن منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن استحضار الماضي إلى صناعة المستقبل.

وإذا كان رئيس المجلس الوطني للصحافة قد دعا إلى أن نلتقي بعد خمس سنوات لنقدم الحساب، فإن الأجمل أن نصل إلى ذلك الموعد ونحن قادرون على القول إننا لم نكتفِ بتغيير الهياكل، بل نجحنا في تغيير الثقافة المهنية نفسها.

ثقافة تجعل الصحافي يشعر أن المجلس بيته، والناشر يشعر أنه شريك في المسؤولية، والمواطن يشعر أن الصحافة موجودة للدفاع عن حقه في المعرفة، وأن الدولة تجد أمامها صحافة مهنية قوية، ناقدة حين يجب أن تنتقد، ومساندة حين تكون المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، دون أن تتخلى عن استقلاليتها أو رسالتها.

لقد آن الأوان فعلًا لكي تستعيد الصحافة أبناءها، ويستعيد أبناؤها ثقتهم في صحافتهم.

فالذين اختلفوا بالأمس ليسوا بالضرورة خصومًا دائمين، والذين أخطأوا يمكنهم أن يصححوا، والذين جُرحوا يمكنهم أن يتجاوزوا الجراح، والذين كانوا في مواقع مختلفة يمكن أن يلتقوا حول مصلحة أكبر من الجميع: مصلحة الصحافة المغربية.

إن المهنة التي استطاعت أن تصمد أمام تحولات الزمن، وأن تفرز أجيالًا من الصحافيين الذين تركوا بصمتهم في الحياة العامة، قادرة اليوم على أن تفتح صفحة جديدة.

صفحة لا تلغي الماضي، لكنها تتعلم منه.

ولا تمنع الاختلاف، لكنها تجعله أكثر نضجًا.

ولا تطلب من الجميع أن يتفقوا في كل شيء، وإنما تطلب منهم أن يتفقوا على شيء واحد: أن الصحافة أكبر من خلافات أبنائها، وأن مستقبلها مسؤولية الجميع.

ومن هذه الزاوية، فإن ما طرحه المختار لغزيوي ليس مجرد موقف من مرحلة عابرة، وإنما دعوة إلى مراجعة جماعية للذات، وإلى إعادة ترتيب الأولويات.

فالمعركة الحقيقية ليست بين صحافي وصحافي، ولا بين تيار وتيار، ولا بين هذا الاسم وذاك.

المعركة الحقيقية هي من أجل أن تبقى الصحافة المغربية قوية، مهنية، مستقلة، مسؤولة، وقادرة على حمل رسالتها.

وهذا، في نهاية المطاف، هو النصر الذي يستحق أن نحتفل به جميعًا.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: