
صوت الامة :وضاح عبد العزيز -مكناس
بعد سنوات من انتظار ساكنة مكناس إعادة افتتاح المسبح البلدي باب بوعماير، فتحت هذه المعلمة التاريخية أبوابها من جديد في وجه المواطنين، وهو ما دفع جريدة “صوت الأمة” إلى القيام بجولة ميدانية للوقوف على مدى جاهزية هذا الفضاء العمومي لاستقبال الزوار، خاصة الأسر ذات الدخل المحدود والفئات الهشة التي تجد في هذا المسبح متنفسها الوحيد خلال فصل الصيف.
ويظل المسبح البلدي بمكناس من بين أرخص المسابح بالمغرب، إذ لا تتجاوز تسعيرة الولوج خمسة دراهم، وهو ما يجعل منه فضاء اجتماعيا بامتياز، يجسد المقولة الشعبية: “لا غلا على مسكين”. كما أنه يعد من أكبر المسابح من حيث المساحة، غير أن السؤال الذي رافق زيارتنا كان واضحا: هل ما زال هذا الفضاء، الذي اعتاد المكناسيون القدامى تسميته بـ”المنيسبال”، يحتفظ بروحه وجماليته التي طبعت ذاكرة أجيال كاملة؟
للأسف، كانت “الصدمة قوية” وأكبر مما كنا نتوقع. وكما يقول المرحوم عبد الهادي بالخياط في إحدى أغانيه، دخلنا بنية إنجاز روبورتاج مصور بالصوت والصورة، لكن ما عايناه على أرض الواقع جعلنا نكتفي بالكتابة، لأن الصورة كانت ستكون أكثر إيلاما.
فمنذ الولوج إلى المسبح، تبرز أولى علامات الإهمال. مستودعات حفظ الملابس التي كانت جزءا من ذاكرة المكان أصبحت محطمة، دون أبواب، وكأنها خارج أي اهتمام أو صيانة. أما مرافق الاستحمام (الدوش)، فلا وجود لها، رغم أنها خدمة أساسية داخل أي مسبح عمومي. والأمر نفسه ينطبق على المراحيض وأماكن غسل الأرجل قبل الولوج إلى الأحواض، إذ بدت كلها خارج الخدمة.
غير أن أكثر ما أثار الاستغراب هو وضعية مياه المسبح، التي بدت متسخة ولا تشجع على السباحة أو الاستجمام، بل قد تشكل، حسب ما عايناه، خطرا على صحة المرتادين. ويزيد من حدة هذا الوضع غياب المراقبة، حيث يلج عدد من الأشخاص إلى الأحواض بملابسهم وصنادلهم البلاستيكية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول شروط النظافة واحترام الحد الأدنى من قواعد السلامة الصحية.
أما على مستوى التدبير، فيبدو أن الغياب يكاد يكون تاما. فأرضية المسبح تعاني من الحفر والتآكل، فيما اختفت ملامح فضاء كان بالأمس القريب يعج بالحياة والجمال. أين ذلك الملعب الصغير الذي كانت تجرى فيه المباريات المصغرة طيلة اليوم؟ وأين المساحات الخضراء التي كانت تزين جنبات المسبح؟ وأين المقهى الذي كان يشكل فضاء للراحة والاستجمام؟ أسئلة يفرضها الواقع الذي أصبح، بكل أسف، بعيدا كل البعد عن الصورة التي يحتفظ بها المكناسيون لهذا المرفق التاريخي.
وما يزيد الوضع قتامة هو انتشار بعض السلوكيات غير المقبولة داخل محيط المسبح، حيث لا تخطئ العين وجود مستهلكي المخدرات من شباب وفتيات في عدد من الزوايا، في مشهد لا ينسجم مع طبيعة فضاء مخصص للعائلات والأطفال. صحيح أن عناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة كانت حاضرة، إلا أن عددها بدا غير كاف أمام الأعداد الكبيرة للزوار، كما أن تدخلاتها، حسب ما عايناه، ظلت محدودة.
وفي طريق مغادرتي للمكان، استوقفتني عبارة قالتها إحدى السيدات لزوجها: “هذه أول مرة وآخر مرة نجيبو أولادنا لهنا.” كانت جملة قصيرة، لكنها تختزل حجم خيبة الأمل التي يشعر بها عدد من المرتفقين، وتدفع إلى التساؤل: هل هذا هو المرفق العمومي الذي تستحقه ساكنة مكناس؟ وهل يليق بتاريخ المدينة وكرامة المواطنين؟
إن المسبح البلدي باب بوعماير ليس مجرد حوض للسباحة، بل معلمة تاريخية تعلمت فيها أجيال متعاقبة فن السباحة، وشكلت جزءا من الذاكرة الجماعية للمكناسيين. لذلك، فإن ما آل إليه اليوم يفرض على المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي تحمل مسؤولياتهم كاملة، والعمل على إعادة الاعتبار لهذا الفضاء بما يليق بمكانته.
ويبقى السؤال موجها إلى رئيس جماعة مكناس ومن يسيرون معه: هل تعتبرون فعلا أن هذا المسبح في وضعيته الحالية يرقى إلى مستوى تطلعات الساكنة؟ وهل يستحق المكناسيون أن يقضوا صيفهم داخل فضاء يفتقد لأبسط شروط النظافة والسلامة والتنظيم؟
وفي هذا السياق، كنت قد اتصلت بالسيد عباس الومغاري من أجل الاستفسار حول هذه الاختلالات والاستماع إلى وجهة نظره، غير أنه اختار عدم الرد، وهو حق يكفله له القانون. لكن من حق الرأي العام أيضا أن يحصل على المعلومة، لأن الإعلام ليس خصما لأحد، بل شريك في خدمة المواطن، والمعلومة ليست منحة أو صدقة، وإنما حق دستوري للمواطنين. ومن لا يرغب في التواصل مع الرأي العام وتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، فربما عليه أن يعيد النظر في اختياره للعمل السياسي، لأن من يختار تحمل المسؤولية، يختار معها أيضا الإنصات والمساءلة. وكما يقول المثل الشعبي: “اللي بغى سيدي علي يبغيه بقلالشو.”
