المغرب وحسابات الجوار الصعب – صوت الامة

أخر أخبار

المغرب وحسابات الجوار الصعب

5 أكتوبر 2026
A+
A-

صوت الامة :وضاح عبد العزيز

ليس أصعب على دولة من أن تكون محاطة بجيران لا يمنحونها كثيرًا من هامش المناورة، وحلفاء يضعون مصالحهم أولًا، وقضايا استراتيجية مفتوحة على أكثر من احتمال.

هذا هو حال المغرب اليوم.

في باريس، اختار إيمانويل ماكرون، خلال زيارته لإسبانيا، أن يقترب أكثر من الرواية الإسبانية بشأن سبتة ومليلية، متحدثًا عن الدفاع عن الحدود الأوروبية والتضامن مع إسبانيا. موقفٌ يطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصًا أن باريس كانت تاريخيًا أكثر حذرًا في التعامل مع هذا الملف.

والسؤال هنا ليس لماذا قال ماكرون ذلك، بل: كيف يمكن لفرنسا أن تتحدث عن شراكة استراتيجية غير مسبوقة مع المغرب، وفي الوقت نفسه تقدم إشارات سياسية تمس أحد الملفات الحساسة في علاقته مع إسبانيا؟

هل أصبحت الشراكة الاستراتيجية مجرد اتفاقيات ومصالح اقتصادية، أم أنها يفترض أن تحمل أيضًا قدرًا من الوضوح السياسي؟

في الشرق، لا تزال الجزائر تدير علاقتها مع المغرب بمنطق الخصومة المفتوحة. وحتى المشاريع الاقتصادية الكبرى، مثل أنبوب الغاز المغربي-النيجيري، لم تسلم من التشكيك والتقليل من شأنها في الخطاب الرسمي الجزائري.

وفي الجنوب، تواصل موريتانيا السير بين الحذر والمجاملة، محافظة على مسافة محسوبة من الرباط والجزائر معًا.

أما في الشمال، فإسبانيا، الغارقة في حساباتها الداخلية، تعرف جيدًا أن ملف سبتة ومليلية يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى ورقة سياسية جاهزة للاستخدام.

ثم هناك واشنطن، حيث لا تكفي الصداقة ولا التحالفات التقليدية. هناك حسابات المصالح أولًا، وملف الصحراء واحد من الملفات التي لا تزال مفتوحة على تطورات جديدة، خصوصًا مع عودة النقاش الأممي حول طبيعة الحل وشروطه.

وهنا تكمن المشكلة: المغرب لا يواجه خصمًا واحدًا، بل شبكة من المصالح المتقاطعة.

فرنسا تريد مصالحها، وإسبانيا تريد أمن حدودها، والجزائر تريد إضعاف المغرب، وموريتانيا تريد تفادي الصدام مع الجميع، وواشنطن تنظر إلى الملفات من زاوية الربح الاستراتيجي.

في مثل هذا المشهد، لا يكفي أن تكون للمغرب شراكات قوية. المطلوب أن تكون هذه الشراكات واضحة في لحظات الاختبار، لا في لحظات الاحتفال فقط.

فالاتفاقيات الكبرى تُوقَّع أمام الكاميرات، لكن قيمة التحالفات الحقيقية تظهر عندما يصبح الموقف مكلفًا.

وهنا بالضبط سيكون الاختبار الحقيقي للدبلوماسية المغربية: هل تستطيع تحويل موقع المغرب الجغرافي والاستراتيجي من مصدر للضغط إلى مصدر للقوة؟

لأن العالم لا يحترم الدول التي تنتظر أن يتفضل الآخرون بالدفاع عن مصالحها؛ بل يحترم الدول التي تجعل مصالحها جزءًا من حسابات الآخرين.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: