
صوت الأمة: المصطفى دراكي
حين يذكر اسم حد السوالم، لا ينبغي أن يختزل الحديث في أشخاص أو أسماء، ولا أن يتحول النقاش إلى محاكمات سياسية أو تصفية حسابات انتخابية أو شخصية، لأن تدبير الشأن المحلي يتطلب العمل بمنطق المؤسسات ويبنى على الوقائع والمعطيات لا بردود الأفعال، و الانطباعات .
فالمدينة، التي تجاوز عدد سكانها أربعة وسبعين ألف نسمة وفق آخر الإحصاءات، تواجه اليوم اختلالات تنموية لا تخفى على أحد. طرقات تحتاج إلى التأهيل، ومرافق صحية لا ترقى إلى تطلعات الساكنة، وأحياء تعاني خصاصا في الإنارة العمومية والنظافة، فضلا عن محدودية الفضاءات الثقافية والرياضية والترفيهية. وهي مظاهر تؤكد أن المدينة ما زالت تبحث عن إقلاع تنموي حقيقي يواكب نموها الديمغرافي المتسارع.
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين المسؤولية الجماعية والمسؤولية الفردية. فالجماعات الترابية تدار بمنطق التداول والتصويت داخل المجالس المنتخبة، حيث لا يستطيع رئيس أو عضو، مهما كانت إرادته، أن يمرر مشروعا أو برنامجا دون موافقة الأجهزة التداولية المختصة. وحتى بعد المصادقة، تبدأ رحلة أخرى لا تقل تعقيدا، عنوانها الدراسات التقنية، والمساطر القانونية، والتأشيرات الإدارية، وتعبئة الاعتمادات المالية، وهي مراحل قد تستغرق أشهرا أو سنوات قبل أن ترى المشاريع النور.
ثم تأتي مرحلة التنفيذ، حيث قد تصطدم المشاريع بعراقيل موضوعية وأخرى ذات طابع سياسي أو انتخابي أو حتى شخصي، فتتعثر المبادرات، ويتباطأ الإصلاح، ويصبح الزمن نفسه خصما للتنمية.فما تراكم في عقود لا يمحى بقرار واحد.
إن واقع حد السوالم ليس وليد ولاية انتخابية واحدة، ولا نتيجة مجلس بعينه، ولكن هو حصيلة تراكمات امتدت عبر مجالس متعاقبة، اختلفت أغلبياتها وتنوعت توجهاتها، لكنها جميعا تتحمل، بدرجات متفاوتة، نصيبها من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن واقع المدينة.
لذلك، فإن اختزال الأزمة في شخص أو شخصين لا يخدم الحقيقة، بل يحجبها. فالتقييم الرصين يقتضي مساءلة التجربة برمتها، لا الأفراد وحدهم، والنظر إلى الحصيلة العامة بدل الانشغال بتبادل الاتهامات. فالمؤسسات تبقى، والأشخاص يرحلون، أما آثار التدبير فتظل شاهدة على من أحسن ومن قصّر.
وفي المقابل، فإن مسؤولية النهوض بالمدينة لا تقع على عاتق المنتخبين وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها السلطات، والمؤسسات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، وساكنة المدينة نفسها. فعلى المجتمع المدني ألا يبقى متفرجا ينتظر المنح والهبات، بلوعليه ان يكون شريكا في اقتراح الحلول، ومواكبة المشاريع، وترسيخ ثقافة المواطنة والمساءلة.
حد السوالم اليوم في حاجة إلى تعاقد جديد قوامه الكفاءة قبل الولاء، والمصلحة العامة قبل الحسابات الضيقة، والعمل الميداني قبل الشعارات. وهي في حاجة أيضا إلى وعي جماعي بأن التنمية لا تتحقق بالصراع والخطابات والوعود، ،وإنما بالتوافق، والبرامج، والإنجازات.
وفي نهاية المطاف، تبقى الكلمة الفصل للساكنة، فهي صاحبة الحق في تقييم التجارب، ومحاسبة المسؤولين، واختيار من تراه قادرا على قيادة المرحلة المقبلة. فصناديق الاقتراع هي ميزان للمحاسبة، وبوابة لتجديد الثقة، وفرصة لتصحيح المسار.
وبين واقع يفرض الاعتراف بالإخفاقات، وأمل يدعو إلى تجاوزها، تبقى مدينة حد السوالم في حاجة إلى إرادة صادقة، ورؤية بعيدة المدى، وتدبير يجعل مصلحة المدينة فوق كل اعتبار، حتى تستعيد مكانتها وتحقق ما تستحقه ساكنتها من تنمية وكرامة وجودة عيش.
