
صوت الامة : وضاح عبد العزيز
فيديو زيارة وزير التربية إلى تنغير لم يطرح فقط سؤالاً حول واقع التعليم، بل طرح سؤالاً أبسط وأكثر إحراجاً: ماذا كان الوزير يرى بالضبط داخل ذلك القسم؟
قسم مرتب، مؤثث، أستاذ في كامل الانضباط، وتلميذات يظهرن في صورة أنيقة وهادئة، والأهم أن المشهد، كما ظهر في الفيديو، كان شبه خالٍ من التلاميذ الذكور.
وهنا بدأت الأسئلة على مواقع التواصل: أين هم الأولاد؟ ولماذا ظهر هذا القسم تحديداً؟ وهل المؤسسة تعتمد فعلاً أقساماً غير مختلطة؟ أم أن الأمر مجرد اختيار للقسم الذي ستتم داخله الزيارة والتصوير؟
لا يتعلق الأمر هنا بلباس التلميذات ولا بمظهرهن، فذلك ليس موضوعاً يستحق المحاكمة. الموضوع الحقيقي هو الصورة التي اختيرت لتقديم المدرسة إلى الوزير وإلى الرأي العام.
فإذا كانت الزيارة تهدف إلى الوقوف على حقيقة التعليم في تنغير، فمن الطبيعي أن يسأل المواطن: لماذا لم نرَ أكثر من قسم؟ لماذا لم نشاهد تلاميذ من مختلف المستويات؟ لماذا لم نرَ أوضاعاً مختلفة، بما فيها الأقسام التي تعاني من الاكتظاظ أو نقص التجهيزات أو غيرها من المشاكل التي يعرفها القطاع؟
بل إن المشهد كله يعطي انطباعاً بأن الجميع كان يعلم أن الزيارة قادمة: القسم مرتب، التلاميذ في وضعية منظمة، الأستاذ مستعد، وكل شيء يبدو في مكانه.
وهذا ليس عيباً في حد ذاته. فمن الطبيعي أن تستعد مؤسسة لاستقبال وزير. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الزيارة من فرصة لاكتشاف الواقع إلى مناسبة لعرض أفضل نسخة ممكنة منه.
فالوزير لا يحتاج إلى قسم مرتب فقط؛ يحتاج إلى أن يرى القسم الذي لا يبدو مرتباً. لا يحتاج إلى أن يسمع فقط ما يقال أمام الكاميرا؛ يحتاج إلى أن يسمع الأستاذ عندما يتحدث بعيداً عن الكاميرا. ولا يحتاج إلى مشاهدة نصف ساعة من المشهد المثالي؛ بل يحتاج إلى وقت كافٍ لفهم ما يعيشه التلميذ والمدرس والإدارة يومياً.
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يمكن لزيارة قصيرة، مهما كانت نواياها، أن تكشف حقيقة التعليم في منطقة شاسعة مثل تنغير؟
التعليم ليس سبورة وقسماً مؤثثاً وصوراً جميلة. التعليم هو تلميذ يأتي من منطقة بعيدة، وأستاذ يواجه ظروفاً صعبة، وأسرة تنتظر نتائج حقيقية، ومؤسسة قد تكون في حاجة إلى موارد وتجهيزات ودعم مستمر.
لذلك، ربما كان من الأفضل أن يكون الفيديو أقل جمالاً وأكثر واقعية.
نحن لا نريد أن نرى المدرسة كما تبدو عندما يأتي الوزير؛ نريد أن نراها كما تبدو عندما يغادر الوزير.
وهنا جوهر المسألة: هل كانت زيارة تنغير زيارة لاكتشاف الواقع، أم مجرد مرور رسمي ترك وراءه صورة جميلة وأسئلة أكثر مما قدم من أجوبة؟
وأين كان تلاميذ تنغير الذكور في ذلك القسم؟ هذا السؤال وحده يستحق جواباً واضحاً.


