
صوت الامة : وضاح عبد العزيز
ليست قضية درب مولاي الشريف مجرد صفحة من صفحات الماضي التي يمكن طيّها بقرار أو محوها بتصريح عابر. إنها جرح عميق في الذاكرة المغربية، وامتحان حقيقي لمدى قدرتنا على مواجهة تاريخنا بشجاعة، وإنصاف الضحايا، وترسيخ مبدأ أساسي لا تقوم ديمقراطية من دونه: لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يملك حق مصادرة الحقيقة.
لقد أعاد صلاح الوديع نشر رسالته المفتوحة إلى جلاد درب مولاي الشريف، تلك الرسالة التي كتبها سنة 1999، بعد أن عاش تجربة الاعتقال والتعذيب، وقرر أن يحوّل ألمه الشخصي إلى شهادة علنية في مواجهة النسيان. لم تكن رسالته مجرد استعادة لذكريات مؤلمة، بل كانت صرخة في وجه كل محاولة لتحويل المعاناة إلى تفصيل هامشي في تاريخ البلاد.
واليوم، على خلفية التصريحات المنسوبة إلى محمود عرشان، وما نُقل عن إنكاره لما يُنسب إليه من مسؤولية عن التعذيب في درب مولاي الشريف، يعود السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: هل يكفي أن ينكر الشخص الوقائع حتى تصبح شهادات الضحايا بلا قيمة؟ وهل يمكن إسكات ذاكرة جماعية بمجرد التشكيك في أصحابها؟
أولاً: من يملك حق إسكات الضحايا؟
حين يتحدث معتقل سابق عن تجربة عاشها، فهو لا يستحضر بالضرورة حكاية سمعها من الآخرين، بل يتحدث عن جسد تعرّض للأذى، وذاكرة احتفظت بتفاصيل الألم، وسنوات تركت آثارها النفسية والإنسانية. وحين تتعدد الشهادات، وتتقاطع روايات أشخاص مروا بتجارب الاعتقال في المكان نفسه أو في الفترة نفسها، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن مضمونها، وأن يطالب بالتحقق منها، وأن ينتظر أجوبة واضحة عن الوقائع التي تطرحها.
إن السؤال ليس: لماذا يتحدث هؤلاء اليوم عن الماضي؟ بل السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا ينبغي مطالبة الضحايا بالصمت، بينما يُمنح من تُوجَّه إليه الاتهامات حق الإنكار من دون أن يُطلب تقديم أجوبة مقنعة عن تفاصيل الشهادات؟
إذا كان محمود عرشان ينفي ما نُسب إليه، فمن حقه أن يوضح موقفه، وأن يناقش الوقائع المحددة، وأن يقدم ما لديه من حجج. لكن من حق الضحايا، بالمقابل، أن تُسمع أصواتهم، وأن تُفحص شهاداتهم بجدية، وألا يُختزل تاريخهم في مجرد روايات يُراد التخلص منها بعبارة إنكار.
ثانياً: هل يُعقل أن تكون كل هذه الشهادات بلا أساس؟
حين يتحدث أكثر من معتقل سابق عن التعذيب، ويوردون أسماء وتفاصيل ووقائع، ويصر بعضهم على تسجيل شهادته ونشرها ومواجهة الرأي العام بها، فإن أقل ما يفرضه المنطق هو التعامل مع هذه الشهادات بالجدية اللازمة.
وهنا يبرز سؤال مشروع: ما الذي يدفع أشخاصاً إلى إعادة استحضار تجارب قاسية، واستعادة لحظات لا يرغب أي إنسان في تذكرها، ثم وضع شهاداتهم أمام المجتمع، إذا كان هدفهم الوحيد هو اختلاق اتهامات لا أساس لها؟
هل يُعقل أن يكون جميع هؤلاء متفقين على اختلاق الوقائع نفسها؟ وهل من المعقول افتراض أنهم جميعاً يتحركون بدافع واحد، أو يملكون مصلحة مشتركة في توجيه اتهامات من هذا النوع؟
إن هذه الأسئلة لا تعني أن كثرة الشهود تكفي وحدها لإثبات كل اتهام، فالحقيقة تحتاج إلى التحقيق والتدقيق ومقارنة الشهادات بالوثائق والقرائن. لكنها تعني، في المقابل، أن تعدد الشهادات لا يجوز أن يُواجَه بالاستخفاف أو التشكيك الجماعي، وأن الإنكار وحده لا يصلح جواباً نهائياً عن روايات تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
فإذا كان أصحاب هذه الشهادات مخطئين، فليُناقشوا بالأدلة. وإذا كانت بعض الوقائع غير دقيقة، فلتُصحح بالحجج. أما أن يُطلب من الضحايا أن يثبتوا إنسانيتهم قبل أن يُسمح لهم بالكلام، فذلك شكل آخر من أشكال إقصائهم.
ثالثاً: درب مولاي الشريف ليس ذاكرة فرد واحد
لقد عاش المغاربة خلال سنوات الرصاص تجارب مختلفة من الاعتقال السياسي والاختفاء القسري والتعذيب، ووثّقت هيئة الإنصاف والمصالحة جانباً من الانتهاكات التي عرفتها البلاد. ولم يكن الهدف من إحداث هذه الهيئة إعادة فتح الجراح من أجل الانتقام، بل الاعتراف بالمعاناة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وبناء ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات.
إن استحضار شهادة صلاح الوديع اليوم يعيدنا إلى سؤال أكبر من شخص بعينه: هل نريد مغرباً يتصالح مع ماضيه عبر الاعتراف والمسؤولية، أم مغرباً يطلب من ضحاياه أن ينسوا حتى لا يضطر أحد إلى الإجابة؟
إن المصالحة لا تعني أن يتخلى الضحايا عن حقهم في الكلام، ولا أن يصبح النسيان شرطاً للمواطنة. كما أن احترام قرينة البراءة لا يعني إلغاء حق الضحايا في الشهادة والمطالبة بالتحقيق. يمكن احترام الحقوق القانونية لجميع الأطراف، وفي الوقت نفسه الإصرار على أن الوقائع التاريخية الخطيرة تستحق أجوبة جدية.
رابعاً: إلى محمود عرشان… الإنكار ليس نهاية النقاش
إذا كنت تنفي ما يرويه معتقلون سابقون عن دورك في درب مولاي الشريف، فإن السؤال الموجه إليك ليس دعوة إلى الإدانة المسبقة، بل مطالبة بتوضيح الوقائع أمام الرأي العام.
ما ردك على الشهادات التي تذكر اسمك؟ هل تنفي جميع الوقائع التي تتضمنها، أم تنفي وقائع محددة؟ وهل أنت مستعد لمواجهة ما يطرحه أصحابها من تفاصيل وأسماء وتواريخ، ضمن مسار جاد يحترم حقوق الجميع ويبحث عن الحقيقة؟
هذه أسئلة مشروعة، لأن القضية لا تتعلق بخلاف شخصي أو خصومة سياسية عابرة، وإنما بذاكرة مواطنين يقولون إنهم تعرضوا لانتهاكات خطيرة، وبحق المجتمع في معرفة ما جرى.
إن المكانة السياسية أو المهنية التي شغلها أي شخص لا تمنحه حصانة أخلاقية من الأسئلة، كما أن الاتهامات، مهما كانت خطيرة، لا تعفي أصحابها من واجب الدقة. الطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر الإدانة دون دليل، ولا عبر الإنكار دون مناقشة، بل عبر مواجهة الشهادات والوثائق والقرائن بشجاعة ومسؤولية.
خامساً: لا عدالة للذاكرة من دون شجاعة الاعتراف
إن ما كتبه صلاح الوديع قبل أكثر من ربع قرن يذكّرنا بأن الضحية قد تختار الصفح، لكنها لا تستطيع أن تجعل ما عاشته وكأنه لم يقع. فالصفح شأن إنساني، أما الحقيقة فهي شأن عام، والكرامة ليست منحة من أحد.
لا نريد محاكمات تصدر أحكامها على منصات التواصل الاجتماعي، ولا نريد اتهامات تُطلق بلا سند. لكننا لا نقبل أيضاً أن تتحول حساسية الماضي إلى ذريعة لإسكات من عاشوه، أو أن يصبح التشكيك في الضحايا وسيلة لإغلاق النقاش قبل أن يبدأ.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه المجتمع المغربي اليوم هو: كيف نبني الثقة في مؤسساتنا إذا كان مجرد الحديث عن الانتهاكات الماضية يثير الرغبة في الإنكار بدل الرغبة في الفهم والتحقق؟
وكيف نطلب من الأجيال الجديدة أن تؤمن بدولة الحق والقانون، إذا لم نعلّمها أن كرامة الإنسان لا تسقط بسبب ضعف موقعه، وأن المسؤولية لا تُقاس بميزان النفوذ، وأن الشهادة تستحق الإنصات حتى عندما تكون مؤلمة ومحرجة؟
درب مولاي الشريف ليس اسماً عابراً في ذاكرة المغرب. إنه عنوان لمرحلة ينبغي أن نتعلم منها، لا أن نختلف حول حق ضحاياها في الكلام. وشهادات المعتقلين السابقين لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها أحكاماً نهائية، لكنها أيضاً ليست أصواتاً يجوز إسكاتها بإنكار واحد.
إن كانت هناك روايات غير صحيحة، فلتُكشف بالحجة. وإن كانت هناك اتهامات تحتاج إلى تدقيق، فليُفتح باب التحقيق. وإن كانت هناك حقائق ثابتة، فلتُواجه بشجاعة.
أما أن يُطلب من الضحايا أن يصمتوا لأن شهاداتهم تزعج البعض، فذلك ليس مصالحة مع الماضي، بل محاولة لإعادة دفنه.
والتاريخ لا يُنصفه الصمت، ولا يُمحى بالإنكار؛ بل يُنصفه الاعتراف، والإنصات، والبحث النزيه عن الحقيقة، وضمان ألا تتكرر المآسي نفسها.
لأن الوطن الذي نريده لأبنائنا ليس وطناً بلا ذاكرة، بل وطناً لا يخاف من ذاكرته؛ وطناً تكون فيه كرامة الضحية مصونة، وحقوق المتهم محترمة، والحقيقة أعلى من كل نفوذ، والقانون فوق الجميع.


