هل أنصف الجمهور المغربي أسود الأطلس ؟ – صوت الامة

أخر أخبار

هل أنصف الجمهور المغربي أسود الأطلس ؟

14 يوليو 2026
A+
A-

صوت الأمة: المصطفى دراكي

في كرة القدم، كما في الحياة، قد يعلو صوت العاطفة على همس العقل، وقد يطغى الانفعال على ميزان الإنصاف. وما إن أسدل الستار على مشوار المنتخب المغربي في كأس العالم 2026 عند محطة ربع النهائي، حتى انقسمت الجماهير بين شاكر للإنجاز وناقم على النهاية، وكأن الوصول إلى هذا الدور أصبح أمرا هينا لا يستحق الوقوف عنده.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أليس في هذا الحكم شيء من الإجحاف؟ أليس من حق هذا الجيل أن يقابل بالتقدير قبل النقد، وبالامتنان قبل العتاب؟

لقد غادر المنتخب الوطني المنافسة بعد مواجهة المنتخب الفرنسي، أحد أبرز المرشحين لإحراز اللقب، وهو منتخب يعج بالنجوم، ويزخر بالمواهب، ويجمع بين السرعة والمهارة والخبرة. ولم يكن السقوط أمام منافس بهذا الحجم عارا، وإنما كان نهاية مشوار مشرف لفريق قاتل بشجاعة، ونافس بندية، وأثبت مرة أخرى أن المغرب بات رقما صعبا في كرة القدم العالمية.

ويكفي أسود الأطلس فخرا أنهم أصبحوا أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ ربع نهائي كأس العالم في نسختين متتاليتين، وهو إنجاز لا يوزن بلحظة إقصاء، ولكن بسنوات من العمل والتخطيط والتطور. فمن كان بالأمس يحلم بمجرد عبور دور المجموعات، صار اليوم يغضب لأن منتخب بلاده لم يبلغ نصف النهائي. وتلك، في حد ذاتها، شهادة نجاح قبل أن تكون عنوان خيبة.

لقد أمتع المنتخب المغربي عشاق الكرة بعروض راقية أمام منتخبات عريقة، وقدم مباريات ستظل راسخة في الذاكرة، وأثبت أن الشخصية القوية لا تعرف بالنتيجة وحدها، وإنما بما تتركه من أثر، وما تبعثه من فخر. فكم من منتخب عاد إلى بلاده محمولا على الأعناق، رغم أنه لم يبلغ ربع النهائي، لأنه تجاوز سقف التوقعات أو حقق انتصارا على منافس أقل شأنا في التصنيف العالمي. أما المغرب، فقد ارتفع سقف طموحه حتى صار الإنجاز يبدو عاديا، وذلك من مفارقات النجاح.

إن النقد حق مشروع، و ضرورة لتصحيح المسار، لكن بين النقد والهدم شعرة، وبين المحاسبة والجحود مسافة ينبغي ألا نتجاوزها. فالمنتخب الذي أسعد الملايين، ورفع الراية المغربية في أكبر المحافل، يستحق أن يقابل بالوفاء لا بالنكران، وبالإنصاف لا بالإجحاف.

ولعل أجمل ما حققه هذا الجيل أنه غير ثقافة التطلعات لدى الجماهير المغربية؛ فبعد أن كان التأهل إلى الدور الثاني حلما، أصبح ربع النهائي محطة لا ترضي الطموح. وهذا التحول ليس دليلا على الفشل، بقدر ماهو ثمرة نجاح متراكم، وغرس أينع، وطموح كبر مع الإنجازات.

فلنختلف في التحليل، ولننتقد الأداء إن اقتضى الأمر، لكن لنتفق على حقيقة لا تقبل الجدل: أن هذا المنتخب كتب صفحات مضيئة في تاريخ الكرة المغربية والإفريقية والعربية، وأن من صنع المجد يستحق الاحترام، ومن رفع سقف الأحلام لا ينبغي أن يكافأ بقسوة الأحكام.

فالمنتخبات الكبيرة لا تقاس بمباراة واحدة، ولا تختزل في خسارة واحدة، كما أن الجماهير العظيمة هي التي تقف مع منتخبها في الانتصار كما في الانكسار، لأن الوفاء في زمن الهزيمة أصدق من التصفيق في لحظة النصر، ولأن الإنصاف يبقى دائما أجمل من الانفعال، وأبقى من الغضب.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: