أخر أخبار

معدل تآكل المناطق الساحلية بالمغرب ضعف المتوسط العالمي.

14 أغسطس 2022
A+
A-

صوت الأمة:

يشكل تآكل المناطق الساحلية خطراً كبيراً على سبل كسب العيش للأشخاص الذين يعتمدون على المناطق الساحلية. وفي تقرير صدر عن فريق عمل البنك الدولي، الذي أجرى تقييماً للحقائق المادية، من حيث مساحات الأراضي المفقودة والمكتسبة، للتغيرات التي طرأت على المناطق الطبيعية الساحلية. ووجد فريق العمل أن الشواطئ في منطقة المغرب العربي تعرضت للتآكل بمعدل 15 سم في المتوسط سنوياً من عام 1984 إلى عام 2016، أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي الذي يبلغ 7 سم، وهو ما لا يفوقه أي معدل آخر سوى سواحل جنوب آسيا.
و سجل معدل تآكل المناطق الساحلية بالمغرب بمقدار 12 سم سنوياً في المتوسط على الجانب المواجه للمحيط الأطلسي، وبمعدل 14 سم على ساحل البحر الابيض المتوسط، أي ضعف المتوسط العالمي.
في المستقبل من المتوقع أن تتفاقم ضغوط تآكل المناطق الساحلية مع ارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة تواتر الظواهر المناخية بالغة الشدة.
ومن دون اتخاذ تدابير للتكيف مع هذا الأمر، فإن تآكل المناطق الساحلية الآخذ في التفاقم، ومخاطر تعرض الأراضي للغمر، وتلوث المناطق الساحلية تمثل جميعها مخاطر كبيرة للمجتمعات المحلية الساحلية وسبل كسب العيش في تلك المناطق.
تؤدي مجموعة من الأسباب إلى تآكل المناطق الساحلية، فالسواحل بطبيعتها في حالة تغير مستمر، حيث تتراكم بعض الأجزاء (تكتسب أراضٍ)، في حين تتآكل أجزاء أخرى (تفقد أراضٍ). ومع ذلك، قد تكون للأنشطة البشرية مثل أنشطة التعدين لاستخراج الرمال، أو تطوير البنية التحتية في المناطق الساحلية، أو بناء السدود على الأنهار الداخلية تأثيرات كبيرة على هذه الأنماط الطبيعية على مستويات متعددة. وفي شمال أفريقيا، تُعد الضغوط البشرية هي العوامل الرئيسية فيما تتعرض له المناطق الساحلية من تآكل.
من الملاحظ أن تآكل المناطق الساحلية ظاهرة غير متجانسة على طول السواحل. وقد دخل فريق عمل البنك في شراكة مع المركز الوطني لعلوم المحيطات ووكالة الفضاء الأوروبية من أجل فهم هذه الظاهرة على نحو مفصل. وتمخض هذا التعاون عن مجموعة بيانات بالغة الدقة تتيح إمكانية اكتشاف المناطق الساحلية المعرضة لخطر التآكل. وتوصل الخبراء الى نتائج توضح إلى أي مدى تعرضت بعض المناطق للتآكل بسرعة كبيرة، بواقع بضعة أمتار سنوياً، في حين لم يطرأ تغير كبير على مناطق أخرى، واكتسبت مناطق أخرى بعض الأراضي.
كما أجرى فريق العمل التابع للبنك أيضاً تقييماً للتكاليف الاقتصادية المرتبطة بتآكل المناطق الساحلية في المغرب العربي. ووجد الفريق أن التكاليف السنوية لفقد الأراضي وأصول البنية التحتية تعادل و0.4% في المغرب، ويُعزى الدمار الكبير الذي يلحق بهذه الأصول إلى العديد من العوامل، بما في ذلك معدلات التآكل، ودرجة التوسع الحضري في المناطق الساحلية، وأسعار الأراضي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه التكاليف منخفضة لأنها لا تتضمن قيماً أخرى مثل الإيرادات المفقودة من السياحة.
وقد ينجم لتقلص الشواطئ عواقب وخيمة على الاقتصاد الأزرق في بلدان منطقة المغرب العربي حيث تلعب السياحة دوراً رئيسياً. وتشير النتائج المستقاة من بلدان غرب أفريقيا إلى أن هذه التكاليف غير المباشرة تبلغ سنوياً نحو 45% من التكاليف المباشرة.
وتعمل نسبة كبيرة من القوى العاملة في الاقتصاد الأزرق، كما هو الحال في قطاعي صيد الأسماك والسياحة، في الاقتصاد غير الرسمي، وبذلك لا تتوفّر لها خدمات شبكات الأمان الاجتماعي، وبالتالي تصبح عرضة إلى حد كبير لخسائر الدخل الناجمة عن تآكل المناطق الساحلية.
في المغرب، على سبيل المثال، يعمل نحو 700 ألف شخص في أنشطة صيد الأسماك وتصنيعها، كثير منهم في الاقتصاد غير المهيكل. ويغلب الطابع الرسمي على قطاع السياحة إلى حد كبير، وإن كان لا يخلو من العمالة غير الرسمية.
إلى ذلك يجب تبني سياسات بعينها لمواجهة تآكل المناطق الساحلية،بفضل تبني بلدان المغرب العربي نموذج التنمية الخضراء والقادرة على الصمود والشاملة للجميع، فإن إدارة المناطق الساحلية على نحو مستدام تعد أمراً بالغ الأهمية. والحقيقة أن بعض العوامل المسببة لتآكل المناطق الساحلية، مثل العوامل التي يسببها تغير المناخ، تقع خارج دائرة السيطرة المباشرة لبلدان المغرب العربي. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال هناك خطوات يمكن اتخاذها. أولاً وقبل كل شيء، تتطلب مكافحة تآكل المناطق الساحلية وإدارة التنمية الساحلية إلقاء نظرة شاملة على التغيرات التي تطرأ على الأماكن الطبيعية الساحلية وإشراك الأطراف المعنية المختلفة التي تبدي اهتماماً بتطويرها على نحو أكبر.
كما يتطلب هذا التحدي تنفيذ مخططات الإدارة المتكاملة والمندمجة للمناطق الساحلية. وقد شهد شمال المغرب في الآونة الأخيرة إطلاق أحد مخططات الإدارة المتكاملة والمندمجة للمناطق الساحلية، وهي المخطط الجهوي لإدارة المناطق الساحلية في جهة الرباط سلا القنيطرة، بدعم من البنك الدولي والحكومة الإيطالية. ويمكن أن تتضمن مثل هذه المخططات أيضاً حوافز ضريبية، كما هو الحال في فرنسا على سبيل المثال، حيث يُعاد توزيع إيرادات الضريبة على أعمال البناء في المناطق الساحلية على السلطات المحلية من أجل دعم السياسات الخاصة بالأراضي التي تسهم في الحفاظ على المناطق الساحلية.
توجد تدابير هندسية ملموسة يمكن بواسطتها مكافحة تآكل المناطق الساحلية في إطار مخططات الإدارة المتكاملة والمندمجة للمناطق الساحلية. ويجب أن ينصب التركيز على الحلول المستندة إلى اعتبارات الطبيعة، التي لا تزيد من قدرة الأصول في المناطق الساحلية على الصمود فحسب، بل أيضاً تنشط النظم البيئية المهمة في الوقت نفسه. وتشمل هذه الحلول تثبيت الكثبان الرملية بواسطة غطاء نباتي، وزراعة الأعشاب البحرية، أو إعادة تأهيل الشعاب المرجانية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يطلق عليه التدابير “اللينة”، مثل إصلاح الشواطئ أو استخدام مصدات الرياح لمنع تراكم الرمال، تُعد أيضاً خيارات قابلة للتطبيق. ويحب حظر التعدين غير القانوني للرمال، والتنفيذ الفعال لهذا الحظر أمر مهم لدعم الجهود المبذولة لتثبيت الكثبان الرملية وتجميعها. وبالمثل، فإن إزالة السدود القائمة أو إعادة تأهيلها لإتاحة إمكانية تحسين نقل الرواسب أمر فعال في الحد من تآكل المناطق الساحلية في اتجاه المصب.
هذا، ويؤدي تآكل المناطق الساحلية إلى تكاليف باهظة لتنمية الاقتصاد الأزرق في المغرب العربي. ومن المرجح أن تزداد هذه التكاليف في المستقبل، إذ ستتفاقم بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، والتعرض لمزيد من الأحوال المناخية بالغة الشدة.
وختاما، يجب على الحكومات في المغرب العربي تدعيم تأهبها لمواجهة الآثار السلبية لتآكل المناطق الساحلية، ويشمل هذا الأمر إطلاق مخططات الإدارة المتكاملة المندمجة للمناطق الساحلية ودفعها قدماً، بالإضافة إلى إعادة توجيه البنية التحتية الوقائية نحو الحلول المستندة إلى اعتبارات الطبيعة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: