
وضاح عبد العزيز
صوت الامة
مكناس
في الوقت الذي ينادي فيه جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، بتعزيز دولة الحق والقانون، وترسيخ الخيار الديمقراطي كأحد الثوابت الدستورية للمملكة، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد سياسي مقلق، تقوده حكومة عزيز أخنوش نحو اتجاه يناقض تمامًا روح الإصلاح والحداثة التي يسعى إليها الملك والشعب على حد سواء.
فأن تُقَرّ قوانين تُجرّم مجرد الحديث عن نزاهة الانتخابات أو التشكيك في شفافيتها، هو أمر يبعث على الاستغراب، بل ويدق ناقوس الخطر حول تراجع خطير في منسوب الحريات، ويُذكّر بسنوات مضت ظن المغاربة أنهم ودّعوها إلى غير رجعة.
كيف يُعقل أن يُزجّ بالمواطن في السجن فقط لأنه عبّر عن رأي أو لاحظ بأمّ عينه ممارسات تمسّ بمصداقية العملية الانتخابية؟ أليس من صميم الديمقراطية أن تُفسَح المساحة للنقد والمساءلة بدل تكميم الأفواه؟
السيد وزير العدل، أليس من العيب أن تتغنّى حكومتكم بـ”الخيار الديمقراطي” في حين تعملون على خنق هذا الخيار من جذوره؟ أليس الأجدر بكم أن تُحاربوا الفساد في منابعه، عوض أن تُعاقِبوا من يجرؤ على كشفه؟ إنّ المواطن الذي يقول “اللهم إن هذا لمنكر” لا يُعتبر خصمًا للدولة، بل حليفًا لها في معركة النزاهة والشفافية.
إن المتتبع للشأن السياسي يدرك أن الوجوه التي تتكرر في المشهد الانتخابي ما زالت نفسها، وما زالت تُعيد إنتاج نفس الممارسات التي أرهقت البلاد والعباد. فكيف نطلب من الشعب الصمت على ما يجري داخل أروقة الأحزاب والمجالس المنتخبة، فيما الفساد والرشوة يسرحان ويمرحان بلا رادع؟
إذا كانت الحكومة صادقة في نواياها، فلتبدأ أولاً بتنقية الساحة السياسية من كل من ثبت تورطه في قضايا فساد، ولتمنع هؤلاء من الترشح أو التسلل إلى البرلمان والمجالس المنتخبة. حينها فقط لن يتحدث أحد عن التزوير أو المال الحرام، لأن الثقة ستعود تلقائيًا. أما أن يُترك الباب مفتوحًا للفاسدين، ثم يُمنع المواطن من الكلام، فذلك ضرب من العبث السياسي، وتراجع خطير عن مكتسبات حقوق الإنسان التي ناضل من أجلها المغاربة لعقود.
قانون يُهدد من ينتقد الانتخابات ليس إصلاحًا، بل ارتدادٌ إلى الوراء. وهو يعيد بلادنا إلى مرحلة كانت فيها الكلمة جريمة والرأي الحر تهمة.
إنّ الحكومة مطالَبة اليوم، قبل فوات الأوان، بسحب هذا القانون المجحف وإعادة الاعتبار لروح الدستور المغربي الذي جعل من حرية التعبير ركيزة أساسية للديمقراطية الحقيقية.
لقد قدّم المغرب للعالم نموذجًا في الإصلاح السلمي والانفتاح، فلا تجعلوا من هذا الإرث السياسي والحقوقي الجميل مجرّد ذكرى.
إن التاريخ لا يرحم من يقف في وجه الحرية، ولا من يسعى إلى إسكات صوت الشعب.
