
صوت الأمة : المصطفى دراكي
كثّف مدرب جنوب إفريقيا هوغو البلجيكي هوغو بروس، الذي تجاوزته التجارب قبل أن تتجاوزه النتائج، من انتقاد تنظيم كأس إفريقيا للأمم المغرب 2025، في سلوك لم يعد يندرج ضمن خانة الملاحظات التقنية أو الانشغالات اللوجستية المشروعة، بل بات أقرب إلى خطاب تبريري استباقي يمهد لفشل متوقع.
بالأمس القريب، عبر عن “افتقاده للأجواء الإفريقية” التي اعتادها في الغابون وكوت ديفوار، وكأن إفريقيا قالب واحد جامد لا يتغير، أو مسرح فوضوي يشبع حنينه إلى العشوائية أكثر مما يبحث عن شروط المنافسة العادلة. واليوم، انتقل إلى انتقاد المسافة الفاصلة بين مقر الإقامة وملعب التداريب، محددا إياها في 45 دقيقة، في بلد يعرف الجميع جودة بنيته التحتية وقدرته التنظيمية.
لكن ما لا يقال في العلن، وهو لب المسألة، أن هذا المدرب وفريقه لا يحظيان لا بتعاطف المغاربة ولا باهتمامهم. لا جماهير تنتظرهم، ولا صور تذكارية، ولا هالة إعلامية. هو حضور باهت في بطولة تعج بالمنتخبات الثقيلة والأسماء اللامعة. هذا الفراغ العاطفي، وهذا الإحساس بالعزلة، يضرب مباشرة في الأنا المهنية للمدرب، فيبدأ البحث عن تعويض نفسي عبر إثارة الجدل.
من زاوية التحليل النفسي، نحن أمام آلية دفاع كلاسيكية تعرف بـالإسقاط والتبرير المسبق. المدرب يدرك، في قرارة نفسه، محدودية فريقه مقارنة بمنتخبات الصف الأول، ويدرك أيضا أن سقف التوقعات منخفض. عوض الاعتراف بذلك أو الاشتغال في صمت، يختار خلق رواية خارجية: تنظيم بلا روح، مسافات مرهقة، أجواء “غير إفريقية”. إنها محاولة لنقل مركز الفشل من الذات إلى المحيط.
هذا السلوك ليس جديدا في البطولات الكبرى. المدرب ضعيف النتائج غالبا ما يتحول إلى ناقد شرس للتنظيم، لا لأنه حريص على الجودة، ولكن لأنه يبني عذرا جاهزا للخروج المبكر. هو لا يحضر الفريق بقدر ما يحضر الخطاب الذي سيقال بعد الإقصاء.
والأخطر في الأمر أن هذا النوع من التصريحات لا يخدم فريقه، بقدر ما يضعه نفسيا في موقع الضحية قبل انطلاق المنافسة. اللاعب الذي يسمع مدربه يشتكي، يتعلم الشك لا القتال، ويستبطن الهزيمة بدل مواجهتها.
الحقيقة التي يجب قولها بوضوح: المغرب لم ينظم هذه البطولة لإرضاء حنين مدرب إلى “أجواء” متخيلة، ولا لتدليل منتخبات متوسطة تبحث عن شماعات. البطولة تنظم وفق معايير احترافية، ومن لا يملك الأدوات الرياضية للمنافسة، فالأجدر به أن يصمت ويعمل، لا أن يشتكي ويبرر.
فالنقد حين يصدر عن قوة يكون مفيدا، أما حين يصدر عن ضعف، فهو لا يعدو أن يكون صراخا لجذب الانتباه، وتمهيدا لخروج يراد له أن يبدو “مفروضا” لا مستحقا.
