
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
ليست كرة القدم مجرد تسعين دقيقة فوق المستطيل الأخضر، بل هي مساحة تتقاطع فيها مشاعر الملايين بين الفرح والحزن، وبين الأمل وخيبة الأمل. وما عاشه المنتخب المصري وجماهيره بعد ضياع حلم مواصلة المشوار في اللحظات الأخيرة، هو إحساس قاسٍ سبق أن ذاق مرارته كثير من المنتخبات، ومنها المنتخب المغربي نفسه في محطات عديدة. لذلك، فإن التعاطف مع الشعب المصري في هذه اللحظة هو موقف طبيعي، لأن مرارة الإقصاء لا يجهلها إلا من لم يعشها.
لكن، وسط هذه الصدمة، يبرز دور الإعلام الوطني والمسؤول. فالإعلام لا يُقاس فقط بقدرته على نقل مشاعر الغضب، بل أيضاً بقدرته على احتواء الاحتقان، وتهدئة النفوس، وتوجيه الرأي العام نحو قراءة هادئة وموضوعية لما حدث. واليوم، تبدو الحاجة أكبر إلى أصوات الحكماء داخل الإعلام المصري، حتى لا تتحول خيبة مباراة إلى خلاف بين شعبين جمعتهما عبر التاريخ روابط المحبة والاحترام.
المغاربة، في غالبيتهم الساحقة، لا يحملون أي عداء للشعب المصري، بل إن الوقائع تؤكد العكس. ويكفي أن نستحضر الاستقبال الذي خصصته ساكنة أكادير وأهل سوس للمنتخب المصري وجماهيره خلال آخر نسخة من كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب، حيث خرجت العائلات والأطفال لاستقبال الأشقاء المصريين بكل ترحاب، في مشهد عكس أصالة الكرم المغربي وعمق العلاقة التي تربط الشعبين.
غير أن تصريحات المدرب حسام حسن آنذاك، والتي اعتبرها كثير من المغاربة مسيئة للمغرب ولشعبه ولتنظيمه، تركت جرحاً لدى فئة من الجماهير، وأثرت على مشاعرها تجاه المنتخب المصري. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن تلك التصريحات لا يمكن أن تختزل علاقة شعبين، تماماً كما أن بعض ردود الفعل المعزولة في المغرب لا تمثل موقف المغاربة جميعاً، ولا الأصوات المتشنجة في مصر تمثل كل المصريين.
أما على المستوى الرياضي، فإن كرة القدم لا تعترف بالعواطف، وإنما بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق. والمباريات الكبرى تُحسم بحسن قراءة اللحظات الحاسمة، وإدارة الدقائق الأخيرة، والاختيارات الفنية المناسبة. وهي دروس تعلمها المغرب من إخفاقات مؤلمة، قبل أن ينجح في بناء مشروع كروي أوصله إلى إنجازات تاريخية.
إن تحويل الأنظار نحو التحكيم أو البحث عن نظريات المؤامرة لن يغير شيئاً من الواقع، لأن المنتخبات الكبرى لا تتطور إلا عندما تواجه أخطاءها بشجاعة، وتراجع اختياراتها بعيداً عن الانفعال. وهذا ما يحتاجه المنتخب المصري اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن تاريخه الكبير وجماهيره العظيمة يستحقان مشروعاً رياضياً يليق بقيمة الكرة المصرية.
ومن هنا، فإن الرسالة الصادقة التي نوجهها إلى أشقائنا في مصر، وإلى إعلامهم الرياضي على وجه الخصوص، هي أن يعمل الجميع على إخماد نار الغضب، وألا يسمحوا للأصوات المتطرفة بأن تزرع الكراهية بين شعبين لم تجمعهما يوماً سوى الأخوة والمودة. فالمغرب لم يكن خصماً لمصر، كما أن المصريين سيبقون دائماً في قلوب المغاربة شعباً عزيزاً نحمل له كل التقدير والاحترام.
قد نختلف في تقييم مباراة، أو ننتقد مدرباً أو مسؤولاً، لكن لا ينبغي أن نسمح لكرة القدم بأن تهدم جسوراً بناها التاريخ والثقافة والمحبة بين بلدين شقيقين. فالرياضة تبقى منافسة تنتهي بصافرة الحكم، أما العلاقات بين الشعوب فهي أكبر وأبقى من أي نتيجة.
كل التضامن مع المنتخب المصري وجماهيره بعد هذا الإقصاء المؤلم، وكل الأمنيات بأن تعود الكرة المصرية أكثر قوة وتنظيماً في الاستحقاقات المقبلة. كما نتمنى للمنتخب المغربي التوفيق في ما تبقى من مشواره، وأن يستفيد من دروس الماضي، لأن كرة القدم لا ترحم من يعتقد أن المباراة تنتهي قبل صافرة النهاية.
ويبقى الأمل دائماً في أن ينتصر صوت العقل على ضجيج الانفعال، وأن يظل المغرب ومصر، كما كانا دائماً، شقيقين يجمعهما الاحترام والمحبة قبل أن تجمعهما كرة القدم.
