
صوت الأمة: متابعة
تكشف تقارير إعلامية أجنبية عن تداخل لافت بين اعتبارات السياسة الخارجية ومتطلبات الأمن المدني في الجزائر، معتبرة أن تدبير ملف حرائق الغابات يمثل أحد أبرز الأمثلة على انعكاسات التوتر المرتبط بقضية الصحراء المغربية على خيارات الدولة في مجال إدارة المخاطر والكوارث الطبيعية.
وفي هذا السياق، توقفت منابر إسبانية متخصصة، من بينها إل إسبانيول وإل إيكونوميستا، عند قرار السلطات الجزائرية، في يونيو 2022، إنهاء عقد استئجار طائرات إطفاء الحرائق التابعة لشركة بليسا الإسبانية، مباشرة بعد إعلان مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. وجاء القرار في فترة حساسة تسبق موسم الحرائق، ما حرم أجهزة الحماية المدنية من أسطول جوي كان يشكل إحدى الركائز الأساسية في التدخل السريع ومكافحة النيران.
وتشير هذه التقارير إلى أن البدائل التي اعتمدتها الجزائر لم تحقق الفعالية المرجوة، إذ اقتصر الأمر على استئجار طائرة روسية من طراز بي-200، غير أنها تعرضت لعطل تقني خلال غشت 2022، وفق ما أعلنه وزير الداخلية الجزائري آنذاك. وتزامن ذلك مع اندلاع حرائق واسعة بولاية الطارف، أسفرت عن سقوط نحو 38 قتيلا، بينهم أسر حاصرتها ألسنة اللهب داخل مساكنها، إضافة إلى ركاب حافلة لم يتمكنوا من الإفلات من النيران.
وتطرح هذه الوقائع، بحسب متابعين، تساؤلات حول ترتيب الأولويات في الإنفاق العمومي، خاصة وأن الجزائر خصصت ميزانية دفاع قياسية بلغت 25 مليار دولار سنة 2026، في مقابل استمرار قطاع الحماية المدنية في الاعتماد على وسائل محدودة، شملت معدات مستأجرة وطائرات زراعية جرى تكييفها لمهام الإطفاء. ويرى مراقبون أن المشكلة لا ترتبط بضعف الإمكانات المالية، بقدر ما تعكس اختيارات استراتيجية تمنح الأولوية للإنفاق العسكري على حساب الاستثمار في منظومة الوقاية والاستجابة للكوارث.
ويزداد هذا الطرح قوة مع ما وصفته تقارير دفاعية بـ”المفارقة”، إذ عادت الجزائر لاحقا إلى إبرام صفقات مع إسبانيا نفسها لاقتناء طائرات نقل عسكرية من طراز سي-295، وهو ما اعتبره محللون دليلا على أن المقاطعة لم تطبق على قطاع التسليح، بينما كان قطاع الحماية المدنية الأكثر تأثرا بقرارات القطيعة السياسية.
ولم تنته تداعيات هذا الخيار عند حدود صيف 2022، إذ أفادت تقارير، من بينها ما نشرته شبكة يورونيوز، بأن الجزائر اضطرت خلال موسم حرائق 2023 إلى استئجار طائرات إطفاء من دول بأمريكا الجنوبية، متحملة تكاليف لوجستية ومالية مرتفعة نتيجة نقل هذه الوسائل من مسافات بعيدة، في محاولة لتجنب اللجوء إلى الشركات الإسبانية. ورغم ذلك، شهدت ولاية بجاية حرائق مميتة أودت بحياة 34 شخصا.
وتخلص مختلف هذه المعطيات، كما أوردتها وسائل إعلام وتقارير أجنبية، إلى أن ربط التعاون الاقتصادي واللوجستي بالخلافات السياسية ألقى بظلاله على جاهزية منظومة مكافحة الحرائق في الجزائر، وهو ما انعكس، بحسب تلك المصادر، على سرعة وفعالية الاستجابة للكوارث. وفي المحصلة، ظل المواطن الجزائري الطرف الأكثر تأثرا بهذه التداعيات، سواء من خلال الخسائر البشرية المؤلمة أو الأضرار التي لحقت بالممتلكات والثروة الغابوية، فضلا عن الكلفة المالية الباهظة للجوء إلى حلول ظرفية لم ترقَ إلى مستوى التحديات الميدانية.
