أرقام بيزا 2025 تكشف جرح التعلمات في المدرسة المغربية – صوت الامة

أخر أخبار

أرقام بيزا 2025 تكشف جرح التعلمات في المدرسة المغربية

9 سبتمبر 2026
A+
A-

صوت الأمة: المصطفى دراكي

مرة أخرى، تضع المؤشرات الدولية المدرسة المغربية أمام مرآة الأرقام، وهي مرآة لا تجامل ولا تُجمّل الصورة. فقد كشفت نتائج PISA 2025 عن معطيات مقلقة بشأن مستوى التلاميذ المغاربة في مجالات التعلم الأساسية، بما يعيد إلى الواجهة سؤالا مركزيا طالما رافق النقاش العمومي حول التعليم: إلى أي حد نجحت الإصلاحات المتعاقبة في تحسين جودة التعلمات، ولا سيما القراءة والرياضيات والعلوم؟
بحسب المعطيات المتداولة، حصل المغرب على 321 نقطة في فهم المقروء، محتلاً المرتبة 86 من أصل 89 دولة، مع تراجع بـ18 نقطة مقارنة بدورة 2022. وفي الرياضيات، سجل 355 نقطة، محتلا المرتبة 82 من أصل 89، بتراجع قدره 10 نقاط. أما في العلوم، فقد بلغ الرصيد 358 نقطة، والمرتبة 82 من أصل 90، بتراجع بـ7 نقاط.
ليست هذه الأرقام مجرد مراتب في جدول دولي، ولا مجرد نقاط تضاف إلى أرشيف التقارير؛ إنها، في جوهرها، مؤشرات على قدرة المدرسة على تمكين المتعلم من أدوات الفهم والتحليل والاستدلال وحل المشكلات، وهي الأدوات التي تشكل عصب التعلم الناجع ومفتاح الاندماج في مجتمع المعرفة.
القراءة.. الحلقة الأضعف
ولعل الرقم الأكثر إثارة للقلق هو المتعلق بفهم المقروء. فالقراءة ليست مادة دراسية محصورة في حصة اللغة، وإنما هي مدخل إلى كل التعلمات. فمن لا يستطيع فهم نص أو استخراج فكرة أو تأويل معلومة أو الربط بين المعطيات، سيجد صعوبة، عاجلا أم آجلا، في استيعاب الرياضيات والعلوم والتاريخ وسائر المجالات.
ومن هنا، فإن التراجع في القراءة لا ينبغي النظر إليه باعتباره تعثرا في مجال واحد، بل باعتباره جرس إنذار يخص المنظومة التعليمية برمتها.
فالمدرسة التي لا تنجح في بناء قارئ قادر على الفهم والنقد والاستنتاج، تجد نفسها أمام متعلم قد يحفظ، لكنه لا يفهم؛ وقد يكرر، لكنه لا يحلل؛ وقد يسترجع المعلومة، لكنه يعجز عن توظيفها في وضعية جديدة.
73.2 في المائة.. الرقم الذي ينبغي أن يستوقف الجميع
وتزداد الصورة قتامة عندما نضع في الاعتبار أن 73.2 في المائة من التلاميذ المغاربة، وفق المعطيات المقدمة، لا يبلغون الحد الأدنى من الكفايات في المجالات الثلاثة، مقابل 0.1 في المائة فقط من المتفوقين.
إنها أرقام لا تسمح بالتعامل معها بمنطق “الاستثناءات الفردية”، لأنها تشير إلى اتساع قاعدة التعثر مقابل ضيق قاعدة التفوق.
والأهم تربويا هو بلوغ الحد الأدنى من الكفايات التي يحتاجها المتعلم لكي يتمكن من مواصلة تعلمه باستقلالية، وفهم محيطه، واتخاذ قرارات مبنية على المعرفة، ومواجهة متطلبات الحياة والدراسة والعمل.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط من أجل صناعة نخبة متفوقة، وإنما قبل ذلك من أجل رفع القاعدة إلى مستوى الكفايات الأساسية.
مدارس الريادة.. سؤال النتائج لا سؤال النوايا
وفي خضم هذه المعطيات، يصبح من المشروع طرح أسئلة صريحة حول مختلف برامج الإصلاح، ومن بينها مشروع مدارس الريادة، دون إصدار أحكام متسرعة.
فأي مشروع تربوي، مهما كانت وجاهة فلسفته وحجم الموارد المرصودة له، ينبغي أن يقاس في نهاية المطاف بما يحدث داخل الفصل الدراسي: هل تحسن مستوى القراءة؟ هل أصبح المتعلم أكثر قدرة على حل المشكلات؟ هل تراجعت نسب التعثر؟ هل ارتفع عدد التلاميذ الذين يبلغون الحد الأدنى من الكفايات؟
ذلك أن الإصلاح التربوي يحدد بما يكتسبه الطفل فعليا من معارف ومهارات وكفايات.
وقد يكون من غير المنهجي تحميل برنامج واحد مسؤولية نتائج منظومة راكمت اختلالات لسنوات طويلة، كما سيكون من غير المنطقي، في المقابل، إعفاء الإصلاحات الحالية من المساءلة والتقييم. فالسياسة التعليمية الجادة تحتاج إلى تقييم مستقل، منتظم، وشفاف، يميز بين ما تحقق فعلا وما بقي مجرد وعود.
من إصلاح المناهج إلى إصلاح التعلم
لقد راكم المغرب خلال السنوات الماضية أوراشاً متعددة في مجال التربية والتكوين: إصلاح المناهج، إعادة هيكلة المسارات، تطوير التكوين، إدماج التكنولوجيا، محاربة الهدر المدرسي، ودعم المؤسسات التعليمية.
لكن السؤال الذي تفرضه نتائج PISA هو: هل تحولت هذه الأوراش إلى تعلم أفضل داخل الفصل؟
فالفارق كبير بين إصلاح النظام وإصلاح التعلم.
قد تتغير البرامج، وتتعدد المشاريع، وتحدث الوثائق المرجعية، بينما يظل المتعلم يعاني من صعوبة في القراءة، أو في إجراء عملية رياضية، أو في تفسير ظاهرة علمية. وعندها يصبح الإصلاح أقرب إلى حركة مؤسساتية واسعة لا تُترجم بالقدر الكافي إلى أثر ملموس في حياة المتعلم اليومية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات: التعلمات الأساس أولاً؛ القراءة والفهم، الكتابة، الحساب، التفكير المنطقي، والاستدلال العلمي.
المدرس في قلب المعادلة
ولا يمكن الحديث عن جودة التعلمات دون الحديث عن المدرس.
فالمعلم والأستاذ ليسا مجرد منفذين للبرامج، بل هما الحلقة المركزية التي تتحول عبرها السياسات العمومية إلى ممارسة تربوية داخل القسم. وكلما كان المدرس مؤهلا، مستقرا مهنيا، مستفيدا من تكوين مستمر ذي جودة، ومتمتعا بظروف عمل مناسبة، كانت فرص تحسين التعلمات أكبر.
لذلك، فإن الاستثمار في المدرسة لا ينبغي أن ينحصر في البنية والتجهيزات والوسائل الرقمية، على أهميتها، وإنما يجب أن يمتد بالدرجة نفسها إلى الرأسمال البشري.
الأرقام لا تدعو إلى اليأس.. بل إلى المراجعة
ومع ذلك، فإن قراءة نتائج PISA بمنطق سوداوي خالص لن تكون مفيدة. فالاختبارات الدولية ليست حكماً نهائيا على المدرسة المغربية، كما أن ترتيب دولة في جدول لا يفسر بمفرده الأسباب المعقدة التي تقف وراء النتائج.
لكن قيمة هذه المؤشرات تكمن في قدرتها على إثارة الأسئلة الصحيحة.
والسؤال الصحيح اليوم ليس: من المسؤول عن هذه النتائج؟
بل: لماذا لا تحقق المدرسة المغربية، رغم تعدد الإصلاحات والبرامج، تقدما مستداما في التعلمات الأساسية؟
ثم: أين يكمن الخلل تحديداً؟ في المناهج؟ في طرائق التدريس؟ في التكوين؟ في الزمن المدرسي؟ في الاكتظاظ؟ في الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ في اللغات؟ في الدعم التربوي؟ أم في غياب منظومة صارمة لتتبع التعلمات وقياس أثر الإصلاحات؟
إن الإجابة العلمية عن هذه الأسئلة تقتضي تشخيصا دقيقا، لا خطابا دفاعيا ولا خطابا تشاؤميا.
مدرسة المستقبل تبدأ من طفل اليوم
تكشف نتائج PISA، وفق المعطيات المذكورة، أن المعركة الحقيقية التي تواجه المدرسة المغربية ليست معركة الترتيب الدولي في حد ذاته، وإنما معركة بناء متعلم قادر على الفهم والتفكير والتطبيق.
فالتعليم الذي يراكم المعلومات دون أن يبني الكفايات يشبه بيتا جميلا بلا أساس متين؛ قد يبدو متماسكا من الخارج، لكنه سرعان ما يكشف هشاشته أمام أول اختبار.
وإذا كان الإصلاح التربوي ورشا ممتدا في الزمن، فإن نتائجه ينبغي أن تكون قابلة للرصد والقياس. ولذلك تحتاج المدرسة المغربية اليوم إلى الانتقال من منطق “إصلاح الإصلاح” إلى منطق “قياس أثر الإصلاح”، ومن كثرة المبادرات إلى التركيز على ما ينجح فعلا، ومن الاحتفاء بالوسائل إلى مساءلة النتائج.
إن أرقام PISA، إن تأكدت وفق التقرير الرسمي النهائي، لا ينبغي أن تكون مناسبة للجلد ولا للتبرير، وإنما فرصة لإعادة النظر، بعقل بارد وإرادة قوية، في السؤال الأكثر بساطة والأكثر إلحاحا: ماذا يتعلم أبناؤنا فعلا داخل المدرسة؟
ففي نهاية المطاف، لا تقاس قوة المدرسة بعدد مشاريعها، ولا بعدد شعاراتها، ولا بحجم الاعتمادات المرصودة لها؛ وإنما تقاس بقدرة طفل في قسم دراسي على أن يقرأ فيفهم، ويحسب فيستنتج، ويلاحظ فيفسر، ويفكر فيحسن الاختيار.
وهناك، تحديدا تبدأ نهضة المدرسة المغربية.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: