
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
في مشهد دبلوماسي كشف الكثير من التناقضات التي تحكم الموقف الجزائري من قضية الصحراء المغربية، وجد ممثل الجزائر نفسه في مواجهة مباشرة مع عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، بعدما اختار التدخل في أشغال مجلس الأمن والتعليق على مشروع القرار المتعلق بالملف، رغم استمرار الخطاب الرسمي الجزائري في الترويج لأسطوانة التنصل من المسؤولية والادعاء بأنها مجرد طرف غير معني بالنزاع.
عمر هلال لم يفوّت الفرصة، بل واجه المندوب الجزائري بأسئلة سياسية ودبلوماسية محرجة، وضعت الخطاب الجزائري أمام مرآة تناقضاته. فكيف لدولة تصر في كل مناسبة على أنها ليست طرفا في النزاع أن تحضر بقوة في النقاشات، وتدلي بمواقفها، وتقدم التوجيهات لأعضاء مجلس الأمن، بل وتحاول التأثير في اتجاه التصويت على القرارات المرتبطة بالصحراء المغربية؟
لقد بدا واضحا أن المشكلة بالنسبة للجزائر ليست فقط في مضمون القرارات الأممية، وإنما في عجزها عن إخفاء حجم انخراطها الفعلي في هذا الملف. فهي تريد أن تحتفظ لنفسها بموقع المتفرج عندما يتعلق الأمر بتحمل المسؤولية السياسية، لكنها تتحول إلى طرف حاضر بقوة عندما يتعلق الأمر بالتدخل والتوجيه ومحاولة فرض قراءتها الخاصة للنزاع.
والأكثر إثارة للاستغراب أن المندوب الجزائري اختار أن يقدم الدروس في القانون الدولي وتقرير المصير والقضايا الإنسانية، وكأن الجزائر ليست معنية بتفسير مواقفها وتدخلاتها المتكررة، وكأن التناقض بين خطابها وممارساتها يمكن أن يظل مستورا إلى الأبد خلف شعارات دبلوماسية مستهلكة.
لقد نجح عمر هلال في تحويل هذا التدخل إلى مناسبة لكشف المفارقة الأساسية في الموقف الجزائري: التنصل من المسؤولية في الخطاب، والحضور والتدخل في كل التفاصيل على أرض الواقع.
إن ما جرى داخل مجلس الأمن ليس مجرد سجال عابر بين دبلوماسيين، بل هو مواجهة سياسية كشفت أن الجزائر لا تستطيع الاستمرار في لعب دور الطرف غير المعني، بينما تنخرط بكل ثقلها في مسارات هذا النزاع. فالمسؤولية السياسية لا تُمحى بمجرد ترديد خطاب التنصل منها، ولا يمكن إقناع المجتمع الدولي بأن الدولة مجرد مراقب، بينما مواقفها وتدخلاتها تقول عكس ذلك تماماً.
لقد وضع عمر هلال السؤال في المكان الصحيح: إذا كنتم غير معنيين، فلماذا كل هذا الحضور؟ وإذا كنتم مجرد مراقبين، فلماذا كل هذا التدخل؟


