
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
أثار الإعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تباينت المواقف بين من اعتبرها فرصة لإعطاء نفس جديد للعمل الحكومي، ومن رأى فيها استمرارًا للوجوه والاختيارات نفسها، بما يثير الشكوك حول قدرة التعديل الحكومي على إحداث تغيير حقيقي. وبين التفاؤل والتشكيك، يبقى من الضروري التعامل مع هذه التجربة بقدر من النقد المسؤول والإنصاف الموضوعي.
من حق المواطنين أن يتساءلوا عن معايير اختيار الوزراء، وعن مدى ارتباط التعيينات بالكفاءة والاستحقاق، بدل أن تكون نتيجة للتوازنات الحزبية والحسابات السياسية. كما أن استمرار بعض الوجوه في مواقع المسؤولية يفتح النقاش حول تجديد النخب، ومدى قدرة الأحزاب على تقديم بدائل جديدة تستجيب لتطلعات المجتمع. فالتغيير لا ينبغي أن يقتصر على إعادة توزيع المناصب، بل يجب أن يشمل أساليب التدبير، ووضوح الرؤية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المقابل، لا يمكن إصدار حكم نهائي على الحكومة قبل أن تبدأ عملها وتُمنح الوقت الكافي لإظهار نتائجها. فالمسؤولية الحكومية ليست مهمة سهلة، إذ تتطلب التعامل مع تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، من بينها غلاء المعيشة، والبطالة، وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المناطق. ومن الإنصاف أيضًا تقييم الوزراء بناءً على أدائهم الفعلي، لا على أعمارهم أو انتماءاتهم السياسية أو الأحكام المسبقة التي قد ترافق تعيينهم.
أما الحديث عن التحكم في القرار السياسي، فيظل سؤالًا مشروعًا في إطار النقاش الديمقراطي، لكنه يحتاج إلى أدلة ومعطيات واضحة، لا إلى الاكتفاء بالانطباعات أو الاتهامات العامة. فتعزيز الثقة في المؤسسات يقتضي ضمان استقلالية القرار، واحترام الاختلاف، وتوسيع المشاركة السياسية، وجعل المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية والشخصية. وفي الوقت نفسه، تتحمل الحكومة مسؤولية التواصل الواضح مع المواطنين، لأن غياب التوضيح يترك المجال مفتوحًا أمام الإشاعات ويزيد من حدة الشكوك.
إن الإعلان عن تخصيص موارد مالية للتنمية الترابية، والوعود بتحسين الخدمات العمومية ومواجهة ارتفاع الأسعار، يمثلان التزامات تستحق المتابعة والتقييم. غير أن أهمية هذه المبادرات ستتحدد بمدى تنفيذها على أرض الواقع، وشفافية تدبير ميزانياتها، وقدرتها على تحسين ظروف عيش المواطنين، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة.
في النهاية، لا الإنصاف يعني الدفاع عن الحكومة دون مساءلة، ولا النقد يعني رفضها قبل أن تختبر قدرتها على الإنجاز. المطلوب هو منحها فرصة للعمل، مع الاحتفاظ بحق المواطنين في المحاسبة والتقييم. فنجاح أي حكومة لا يُقاس بجمال خطابها أو عدد الوعود التي تقدمها، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ الثقة في المؤسسات.
فالمغرب اليوم لا يحتاج إلى تغيير الأسماء فقط، ولا إلى معارضة ترفض كل شيء، بل إلى ممارسة سياسية مسؤولة تجعل الكفاءة معيارًا، والشفافية أساسًا، وخدمة المواطن الغاية الحقيقية من تحمل المسؤولية.


