الصحراء المغربية : مدريد تفتح باب التسوية وتغلق باب الوهم – صوت الامة

أخر أخبار

الصحراء المغربية : مدريد تفتح باب التسوية وتغلق باب الوهم

9 فبراير 2026
A+
A-

صوت الأمة : المصطفى دراكي

قبل نحو نصف قرن، كانت مدريد محطة مفصلية في مسار نزاع الصحراء، لا بوصفها مسرحا للحسم، ولكن باعتبارها نقطة الانطلاق الأولى لتعقيد طال أمده. واليوم، تعود العاصمة الإسبانية إلى الواجهة، لتضع الجميع أمام وقائع جديدة، عنوانها الأبرز: انتقال مقترح الحكم الذاتي من حيز التنظير إلى مجال التنزيل.

لقاء مدريد الأخير لم يكن لقاء مجاملات دبلوماسية ولا جلسة لالتقاط الصور التذكارية. وخلاصة ما جرى أن الحكم الذاتي، منذ القرار 2797، بات الخيار الوحيد المعروض على الطاولة، باعتباره الحل الممكن والواقعي والعملي. هنا بالضبط يتجلى الفارق بين مغرب ما قبل 31 أكتوبر 2025 ومغرب ما بعده: مغرب دخل مرحلة تفعيل اختياراته، لا مجرد الدفاع عنها.

بهذه الخلفية دخل المفاوض المغربي جولة المشاورات: واثقا لا متردد، مبادرا لا منجرا، واضعا خصومه أمام معادلة بسيطة في صياغتها، معقدة في تبعاتها: إما التفاعل مع الحكم الذاتي كأفق نهائي، أو البقاء خارج الزمن السياسي الجديد للنزاع.

في المقابل، لم تأت الأطراف الأخرى إلى مدريد بحثا عن تسوية مع المغرب، بل تحت وطأة ضغط خارجي، تحديدا من الإدارة الأمريكية. حضور اضطراري أكثر منه اختياري، وسقف سياسي محدد لا يسمح بتقديم أي إشارة قد تفهم كقبول صريح بالحكم الذاتي: لا صورة جامعة، لا بيان مشترك، ولا اعتراف مباشر بالطرح المغربي كمرجعية وحيدة. كان هاجسهم الأساسي هو إدارة الخسارة لا تحقيق الربح.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم ما يعتبره بعضهم “مكسبا” للطرف الآخر: الدفع بمقترح الحكم الذاتي نحو رواق التفاصيل التقنية عبر طرف ثالث، تحت مسمى جديد من قبيل “اتفاق إطار”. مناورة لغوية قبل أن تكون سياسية، هدفها ثلاثي الأبعاد:

أولا، تفادي الاصطدام المباشر مع واشنطن؛

ثانيا، تسويق النقاش داخليا على أنه ليس تبنيا للمقترح المغربي، بل انخراطا في مبادرة “محايدة”؛

ثالثا، محاولة اقتناص مكاسب من بين ثنايا التفاصيل، إما بإفراغ المشروع من مضمونه، أو بإغراقه في التعقيد، أو بتحصيل تنازلات جزئية تقدم لاحقا كإنجازات.

في هذا السياق، تبدو الورقة المحينة التي تقدم بها المغرب محسوبة بدقة الجراح لا بعجلة السياسي. ورقة أكثر غنى في الجوانب الإجرائية والشكلية، وأشد تحفظا في القضايا الجوهرية، تحسبا لجولات تفاوضية مقبلة سيكون فيها منسوب الضغط أعلى، وسقف المطالب أشد. إنه تفاوض بالنفس الطويل، لا بالمواقف الانفعالية؛ وبالتدرج الذكي، لا بالقفز في المجهول.

الخلاصة واضحة وإن حاول البعض تعكيرها: المغرب ربح جولة مشاورات جدية، وأعاد ملف التسوية إلى ديناميته بعد عقود من الجمود والدوران في الحلقة المفرغة. غير أن الطريق لم يعبد بعد، والعقبة الكبرى في الجولات المقبلة لن تكون في الصياغات ولا في العناوين، بل في سؤال واحد ثقيل الوطأة: ما الثمن؟

ما الذي سيدفعه كل طرف؟ وماذا سيناله بالمقابل؟

هناك، في ميزان الكلفة والعائد، ستختبر النوايا، وتفرز المواقف، ويتحدد إن كانت مدريد خاتمة فصل طويل… أم مجرد عنوان لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: