
صوت الأمة:
ذ : أشرف ليمام
لم تعد أزمة التعليم مجرد نقاش حول المناهج والامتحانات، بل أصبحت سؤالاً جوهرياً حول مستقبل الإنسان المغربي وقدرة المدرسة على إعداد جيل يمتلك المعرفة والكفاءة والمسؤولية. فبناء وطن قوي لا يبدأ من الجامعة وحدها، ولا يتحقق بالشهادات وحدها، وإنما ينطلق من التعليم الأولي، حيث تتشكل البذرة الأولى للشخصية، مروراً بالابتدائي والإعدادي والثانوي، حيث تُبنى المعارف وتُصقل المواهب وتترسخ قيم المواطنة. ومن هنا، ينبغي أن يتحول إصلاح التعليم إلى أولوية وطنية فعلية، لأن كل تعثر في المدرسة قد يتحول لاحقاً إلى عائق أمام الطالب في الجامعة، وأمام المواطن في حياته المهنية، وأمام الدولة في مسار التنمية.
التعليم الأولي والابتدائي ليسا مجرد مرحلتين من مراحل التمدرس، بل هما الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الأجيال. فكيف ننتظر من طالب جامعي أن يُبدع ويحلل ويبحث، إذا لم يكن قد تلقى منذ طفولته تعليماً متيناً في القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي؟ إن الإصلاح الحقيقي يقتضي تأهيل المدرسين، وتطوير المقاربات البيداغوجية، ومواكبة الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم، وتقليص الفوارق بين المؤسسات التعليمية. كما يتطلب جعل المدرسة فضاءً آمناً ومحفزاً، لا يكتفي بتلقين المعلومات، بل يزرع حب المعرفة ويمنح كل طفل فرصة عادلة لاكتشاف قدراته. فالأمم التي تهمل البدايات تجد نفسها لاحقاً أمام نتائج مكلفة يصعب تصحيحها.
أما التعليم الإعدادي والثانوي، فيجب أن ينتقل من منطق اجتياز الامتحانات إلى منطق بناء الشخصية وصناعة الكفاءة. فالتلميذ ليس رقماً في لائحة النتائج، ولا ينبغي أن يُختزل مستقبله في نقطة أو شهادة؛ إنه مشروع إنسان يحتاج إلى التوجيه والتأطير والتكوين النفسي والفكري والاجتماعي. لذلك أصبح من الضروري تعزيز اللغات والعلوم والمهارات الرقمية، وترسيخ التفكير النقدي والعمل الجماعي، وتطوير التوجيه المدرسي والمهني، ومحاربة الهدر المدرسي قبل استفحاله. كما ينبغي إشراك الأسرة إلى جانب المدرسة في مواكبة التلميذ، حتى يصل إلى التعليم العالي وهو قادر على تحمل المسؤولية، واختيار مساره بوعي، ومواجهة تحديات الحياة الجامعية والمهنية بثقة واستقلالية.
«حزب الكتاب يُدبّر قطاع الكتاب»: عبارة تحمل مفارقة لغوية تستحق أن تتحول إلى سؤال سياسي وتربوي مشروع. ففي سياق تدبير محمد نبيل بنعبد الله لقطاع التعليم، تبرز أهمية الانتقال من رمزية الكتاب بوصفه شعاراً حزبياً إلى الكتاب بوصفه أداة للتحرر الفكري وبناء الإنسان. فالمعيار الحقيقي لأي تدبير هو أثر السياسات في واقع المدرسة وجودة التعلمات ومستقبل التلاميذ، لا جمال الشعارات. والمطلوب اليوم ليس إصلاحاً شكلياً ولا إجراءات متفرقة، بل رؤية متكاملة تربط التعليم الأولي بالابتدائي، والإعدادي بالثانوي، والمدرسة بالجامعة، وتضع الأستاذ والتلميذ في قلب الإصلاح. إن المسؤولية المؤسسية تقتضي أهدافاً واضحة، وتقييماً مستمراً للنتائج، وإنصافاً مجالياً، وتكويناً تربوياً مستداماً، حتى يصبح الكتاب بالفعل مدخلاً إلى المعرفة، لا مجرد رمز في الخطاب العام.
إن المغرب الذي نطمح إليه لن يُبنى فقط بما نشيّده من طرق ومؤسسات، بل بما نُكوّنه من عقول وما نُعدّه من كفاءات قادرة على مواصلة مسيرة التنمية. فالجامعة التي تستقبل طلبة مؤهلين، والمدرسة التي تُخرّج تلاميذ متمكنين من أساسيات المعرفة، والمؤسسات التربوية التي تُحسن التأطير والتوجيه، تشكّل حلقات مترابطة في مشروع وطني واحد. ومن هنا، فإن إصلاح التعليم ليس مسؤولية وزارة وحدها، بل مسؤولية الأسرة والمجتمع، ويتطلب إرادة سياسية واستمرارية في التنفيذ ومحاسبة على النتائج. فالرهان ليس أن يصل أبناؤنا إلى أبواب الجامعة فحسب، بل أن يصلوا إليها مستعدين للنجاح، ثم يتخرّجوا قادرين على خدمة وطنهم واستكمال بنائه. فالوطن القوي لا تصنعه الأماني، بل تصنعه مدرسة قوية، وأستاذ مُقدَّر، وتلميذ مُؤطَّر، وطالب مسلّح بالعلم، ومواطن يؤمن بأن مستقبل المغرب يبدأ من القسم.
