“حين يشتري المالُ السياسة.. لماذا يدير الشباب ظهره لصناديق الاقتراع – صوت الامة

أخر أخبار

“حين يشتري المالُ السياسة.. لماذا يدير الشباب ظهره لصناديق الاقتراع

19 يوليو 2026
A+
A-

صوت الامة: وضاح العزيز

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود الأحزاب السياسية إلى الشوارع والساحات والمنصات الرقمية، حاملة شعارات التغيير والإصلاح والوعود الكبرى. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أكبر من أي وقت مضى هو: لماذا لا يزال المواطن، وخاصة الشباب، ينظر إلى العملية السياسية بكثير من الشك والعزوف؟

إن الحديث عن العزوف السياسي لم يعد مجرد رقم يُسجل في تقارير الانتخابات، بل أصبح مؤشراً خطيراً على أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات الحزبية. فحين تتحول الديمقراطية إلى موسم انتخابي عابر، وتصبح الأحزاب حاضرة فقط عند اقتراب موعد الاقتراع، فإن الحديث عن المشاركة السياسية يفقد الكثير من معناه.

لقد أخفقت العديد من الأحزاب في إقناع الشباب بأن السياسة أداة للتغيير الحقيقي، لأنها لم تنجح أولاً في تجديد خطابها ولا في فتح أبوابها أمام الكفاءات الشابة. فما يُعرض اليوم في كثير من الحملات الانتخابية هو إعادة إنتاج للوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوعود نفسها التي تُرفع منذ سنوات دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.

الشباب اليوم لا يعزف عن السياسة لأنه غير واعٍ أو غير مهتم بالشأن العام، بل لأنه أصبح أكثر وعياً بما يجري خلف الكواليس. إنه يرى أن المناصب تتغير بينما المشاكل تبقى على حالها، وأن الشعارات الانتخابية غالباً ما تنتهي بانتهاء الحملة. لذلك فإن العزوف السياسي هو في كثير من الأحيان موقف احتجاجي صامت أكثر منه حالة من اللامبالاة.

وإذا كانت أزمة الثقة سبباً رئيسياً للعزوف، فإن المال الفاسد يبقى أحد أخطر العوامل التي ساهمت في إفراغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي. فكيف يمكن إقناع شاب بالتصويت وهو يشاهد المال السياسي يفرض حضوره في بعض الحملات الانتخابية؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص حين تتحول المنافسة السياسية إلى منافسة بين المحافظ المالية لا بين المشاريع والبرامج؟

إن المال الفاسد لا يشتري الأصوات فقط، بل يشتري أيضاً ثقة المواطن في المؤسسات. إنه يزرع لدى الناخب قناعة مؤلمة مفادها أن الانتخابات لا تُحسم بالكفاءة ولا بالمشروع المجتمعي، وإنما بمن يمتلك القدرة الأكبر على الإنفاق واستغلال الهشاشة الاجتماعية لبعض الفئات.

الديمقراطية لا تُقاس بعدد الملصقات الانتخابية ولا بحجم التجمعات الخطابية، بل بقدرتها على إنتاج الثقة والمحاسبة والعدالة السياسية. وحين يشعر المواطن بأن صوته لا يساوي شيئاً أمام سطوة المال والنفوذ، فإنه يختار الانسحاب من المشهد السياسي بأكمله.

إن أكبر تحدٍّ لا يواجه الأحزاب اليوم ليس الفوز بالمقاعد، وإنما استعادة ثقة المواطن. فالمعركة الحقيقية ليست في صناديق الاقتراع، بل في إقناع الشباب بأن السياسة ما زالت قادرة على صناعة الأمل، وأن الديمقراطية ليست مجرد طقس انتخابي يتكرر كل بضع سنوات.

فالعزوف السياسي ليس مرضاً أصاب المواطن، بل هو نتيجة طبيعية لممارسة سياسية لم تستطع بعد أن تجعل من المواطن شريكاً حقيقياً في صناعة القرار. وما لم تُحارب مظاهر الفساد الانتخابي، ويُعاد الاعتبار للعمل السياسي النزيه والمسؤول، فإن صناديق الاقتراع ستظل تستقبل الأصوات نفسها، بينما يواصل آلاف الشباب إدارة ظهورهم للمشهد السياسي بصمت يحمل الكثير من الرسائل.

فالديمقراطية لا تموت حين يمتنع المواطن عن التصويت، بل تبدأ في الاحتضار حين يفقد ثقته في أن صوته قادر على إحداث الفرق.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: