
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
مرة أخرى تجد قناة فرانس 24 نفسها في قلب جدل مهني وأخلاقي، بعد بثها محتوى مزيفًا منسوبًا إلى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، قبل أن تضطر لاحقًا إلى تقديم اعتذار رسمي. حادثة قد تبدو للبعض مجرد “خطأ إعلامي”، لكنها في الواقع تطرح أسئلة أعمق حول منهجية القناة، وانتقائيتها، وطبيعة تناولها لكل ما يتعلق بالمغرب.
فالصحافة، في أبسط قواعدها، تقوم على التحقق قبل النشر. أما نشر تدوينة صادرة عن حساب مزور، ثم تقديمها على أنها موقف رسمي، فذلك لا يمكن اعتباره مجرد هفوة عابرة، بل مؤشرًا على خلل مهني واضح، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤول حكومي رفيع المستوى. والأسوأ أن هذا النوع من الأخطاء لا يقع في فراغ، بل يأتي ضمن سياق طويل من التغطيات التي يرى كثيرون أنها تميل إلى تضخيم كل ما يمكن أن يُقدَّم بصورة سلبية عن المغرب.
المثير للانتباه أن القناة لم تكتشف الخطأ إلا بعد انتشار واسع للمعلومة، ما يعزز الانطباع بأن السبق الإعلامي أو البحث عن الإثارة قد طغى على المهنية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: عندما تصبح الرغبة في “الاصطياد في الماء العكر” أقوى من واجب التدقيق، تتحول المؤسسة الإعلامية من ناقل للخبر إلى صانع للجدل.
كما أن الاعتذار، رغم أهميته، لا يمحو الأثر. فالمعلومة الخاطئة عندما تنتشر، تترك بصمتها في الرأي العام حتى بعد تصحيحها، وهو ما يعرف في الإعلام بتأثير “الأكذوبة الأولى”. لذلك فإن المسؤولية المهنية تفرض معايير أعلى بكثير، خاصة على قناة دولية تقدم نفسها كمرجع إخباري.
إن ما حدث يكشف بوضوح أن المشكلة ليست في خطأ تقني أو زلة فردية فقط، بل في مناخ تحريري يبدو مستعدًا لتبني أي مادة قد تسيء إلى صورة بلد ما، حتى لو كانت غير موثوقة. وهذا ما يفسر موجة الانتقادات التي رافقت الحادثة، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب ما تعكسه من توجهات.
في النهاية، تبقى المصداقية رأس مال أي وسيلة إعلام. وعندما تتكرر الأخطاء في الاتجاه نفسه، يصبح من المشروع طرح السؤال: هل نحن أمام صحافة تبحث عن الحقيقة، أم أمام منصة تبحث عن الإثارة ولو على حساب المهنية؟
