
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
في كل مرة يُطرح فيها النقاش حول واقع مدينة مكناس، يخرج من يصنف كل صوت ناقد ضمن خانة “أعداء التنمية” أو “دعاة التبخيس”، وكأن حب المدينة أصبح يقاس بحجم التصفيق لا بصدق الكلمة، وبعدد عبارات الإشادة لا بجرأة تشخيص الأعطاب.
إن الكتابة عن الأوضاع التي تعيشها العاصمة الإسماعيلية لم تكن يوما عملا موجها أو استجابة لإملاءات من أي جهة كانت، بل هي ممارسة أخلاقية قبل أن تكون مهنية. فنحن لا ننتظر مكالمة هاتفية لتحديد ما يجب أن نكتبه، ولا نحتاج إلى من يرسم لنا حدود النقد أو يحدد لنا سقفه. نكتب بما يمليه علينا الضمير، وننقل ما تراه أعين المواطنين كل يوم في الشوارع والأحياء والمرافق العمومية.
وعندما ننتقد، فإننا ننتقد بوضوح وفي واضحة النهار، وبنظارات بيضاء وصافية، ونسمي الأشياء بمسمياتها دون زيادة أو نقصان. فالحديث عن اختلالات النقل الحضري، وعن البنية التحتية، وعن الخدمات الأساسية، ليس جريمة في حق المدينة، بل هو دفاع عنها وعن حق ساكنتها في العيش الكريم.
لا أحد يرفض أن تستعيد مكناس إشعاعها الثقافي أو أن تحتضن تظاهرات دولية تليق بتاريخها العريق، بل إننا سنكون أول المرحبين بذلك، وأول المحتفين بكل صورة جميلة تعكس الوجه الحقيقي للعاصمة الإسماعيلية. وحين تكون الأمور في مستوى التطلعات، فإننا نملك من الجرأة ما يكفي للإشادة بها كما نملك الجرأة ذاتها لانتقادها عندما تستوجب ذلك.
المشكلة الحقيقية ليست في النقد، بل في محاولة تحويله إلى تهمة، وفي السعي إلى خلق معادلة مغلوطة مفادها أن المواطن الصالح هو ذلك الذي يصفق دائما، حتى وإن كانت الاختلالات قائمة. فالمدن لا تتقدم بالتطبيل، ولا تبنى بالشعارات، وإنما بالإنصات إلى الأصوات الصادقة، مهما كانت مزعجة للبعض.
ومكناس، التي نحبها جميعا، تستحق خطابا مسؤولا لا يختزلها في مهرجان عابر ولا يحصر مشاكلها في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي. إنها مدينة بتاريخ كبير وإمكانات واعدة، وتستحق كذلك نقاشا عموميا ناضجا يعترف بالمنجزات دون أن يغض الطرف عن الإخفاقات.
وفي النهاية، سيظل قلمنا منحازا للحقيقة وحدها؛ فإن رأينا جمالا كتبناه بكل فخر، وإن وجدنا خللا أشرنا إليه بكل مسؤولية. لأن أخلاق المهنة تقتضي أن نكون أوفياء للواقع، لا للأشخاص، وأن نكون صوت المدينة كما هي، لا كما يريد البعض أن تبدو.
فمكناس لا تحتاج إلى مزيد من المصفقين، بل تحتاج إلى رجال ونساء يملكون شجاعة قول الحقيقة، مهما كانت قاسية، لأن الحقيقة وحدها هي أول الطريق نحو الإصلاح.
