هجرة الأئمة المغاربة إلى الخارج خلال شهر رمضان – صوت الامة

أخر أخبار

هجرة الأئمة المغاربة إلى الخارج خلال شهر رمضان

17 فبراير 2026
A+
A-

صوت الأمة : المصطفى دراكي

في كل موسم رمضاني، ومع أولى ركعات التراويح، لا تكتفي بعض الطائرات بنقل المسافرين، ولكن تحمل معها أصواتا مغربية ألفتها المحاريب، وأحبتها المآذن. أئمة يشدون الرحال نحو مساجد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، ليؤموا الجاليات المسلمة هناك، طلبا لفرصة مالية قد لا تتيسر لهم إن ظلوا بين جدران مساجد الوطن. وبين مؤيد يرى في الأمر باب رزق مشروعا، ومعارض يعده تفريطا في أولوية الداخل، يطفو السؤال كل عام: هل هو سلوك عادي تفرضه ضرورات الواقع، أم خلل في ترتيب الأولويات؟

من حيث الأصل، لا يمكن تجريم السعي في طلب الرزق، ولا تأثيم من استثمر صوته وعلمه في فضاء أوسع. فالإمامة، وإن كانت رسالة، فهي أيضا مهنة لها مقتضياتها الاجتماعية والاقتصادية. وإذا كانت بعض المساجد في الخارج تعرض مكافآت مجزية، وإقامات مريحة، وتقديرا معنويا لافتا، فإن المقارنة تصبح حتمية بين دخل محدود هنا، وعرض مغر هناك. في ميزان الواقع، يتقدم الاعتبار المعيشي على الاعتبار العاطفي؛ فالفاتورة لا تسدد بالشعارات، والالتزامات ولا تؤجل بالنيات.

لكن الوجه الآخر للصورة لا يقل وجاهة. فمصلي الوطن، الذي لازم إمامه عاما بعد عام، ينتظر صوته في رمضان كما ينتظر الهلال. العلاقة هنا ليست تعاقدا عابرا، بل رابطة روحية نسجتها المواسم، وثبّتها التراكمات. حين يغيب الإمام فجأة، يشعر بعض المصلين بفراغ معنوي؛ كأنما انقطع خيط الألفة. وهنا يبرز منطق الأولوية: أليس من حق المجتمع المحلي أن يحظى باستمرارية من يخدمه طيلة السنة؟ أليست الإمامة التزاما أخلاقيا قبل أن تكون فرصة موسمية؟

غير أن الغياب قد يكون حضورا من نوع آخر. فحين يسافر بعض الأئمة، تفتح المحاريب لأصوات جديدة؛ قراء يعيشون في الظل، يمتلكون حسن الأداء وجمال الترتيل، لكنهم لم ينالوا فرصة الظهور. رمضان، في هذه الحالة، يتحول من موسم استقطاب إلى موسم اكتشاف. تتعدد المقامات، وتتجدد النبرات، ويختبر المخزون المحلي من الكفاءات. وهنا تتحقق فائدة مزدوجة: يكتسب الإمام المسافر تجربة أوسع، ويكتسب المسجد المحلي دما جديدا.

المعضلة إذن ليست في السفر ذاته، بل في السياق الذي يدفع إليه. إذا كان الدافع اقتصاديًا صرفا، فالمشكلة أعمق من قرار فردي؛ إنها ترتبط بشروط اشتغال الأئمة، وبمستوى التحفيز داخل الوطن. معالجة الجذور أولى من مناقشة الفروع. أما إذا كان السفر جزءا من تبادل علمي وروحي منظم، يراعي مصلحة الداخل كما يستجيب لحاجة الخارج، فإن الأمر يندرج ضمن دينامية طبيعية لعالم صار قرية صغيرة.

بين حق الإمام في تحسين وضعه، وحق المصلين في استقرار إمامهم، تتقاطع الاعتبارات وتتنازع الأولويات. لا أبيض خالص ولا أسود حالك؛ بل منطقة رمادية تتطلب تنظيما أدق، وتخطيطا أسبق، ورؤية توازن بين الواجب والفرصة، بين الرسالة والمصلحة، بين الثبات والحركة. ففي نهاية المطاف، رمضان ليس موسم أصوات ، إنه موسم قيم؛ والقيمة العليا فيه أن يؤدى الحق لأهله، هنا وهناك، دون إفراط ولا تفريط.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: