
صوت الأمة: وضاح عبد العزيز
ليست المحاماة مهنة إجرائية تُمارَس على هامش العدالة، بل تشكّل أحد أعمدتها الأساسية التي لا تقوم بدونها محاكمة عادلة. فكلما كان الدفاع مستقلًا وقويًا، كان القضاء أكثر توازنًا، وكلما ضُيّق على المحامي أو أُضعفت مكانته، اختلّ ميزان العدالة، مهما بدت القوانين متماسكة أو الشعارات مطمئنة.
ما يشهده قطاع المحاماة اليوم لا يمكن التعامل معه كخلاف تقني عابر أو نقاش مهني محدود. إنه مؤشر على توتر حقيقي يمسّ جوهر الحق في الدفاع واستقلال المهنة ودورها داخل المنظومة القضائية. فالمحامي لا يؤدي وظيفة ثانوية، بل يمارس دورًا رقابيًا حقوقيًا، يحمي المتقاضين من التعسف، ويُسهم في ضمان شفافية المحاكمة ونزاهتها.
التجارب المقارنة، كما الواقع الوطني، تؤكد أن أي خلل يصيب أحد مكونات العدالة ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في المؤسسات. فالمحاماة ليست خصمًا للدولة، بل شريكًا في تكريس الشرعية وسيادة القانون، وجسرًا بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، وبين القاعدة المجردة والإنصاف العملي.
إن إضعاف شروط ممارسة المهنة أو المساس باستقلالها لا يخدم الاستقرار القانوني، بل يراكم هشاشة صامتة قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تترك تبعات ثقيلة على المدى المتوسط والبعيد. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ العدالة لا تخشى الدفاع الحر، بل تعتبره صمام أمان يمنع الانغلاق ويحدّ من الانزلاقات.
ولا يعني الدفاع عن المحاماة رفض الاختلاف أو فرض إجماع مصطنع، فالنقاش المشروع جزء من دينامية أي مجتمع حي. غير أن الصمت، حين يتعلق الأمر بأسس المهنة ومستقبلها، يتحول إلى مسؤولية جماعية، خصوصًا تجاه الأجيال الصاعدة التي تراهن على عدالة تحمي حقها في الدفاع لا أن تفرغه من مضمونه.
اليوم، لم يعد السؤال من ينتصر في هذا الخلاف أو ذاك، بل كيف تُدار العلاقة بين مكونات العدالة داخل دولة يفترض أنها تجعل من الدستور مرجعًا، ومن الحقوق أساسًا. فالحوار الجاد، والإنصات لمطالب الفاعلين الحقوقيين، واحترام استقلال المهن القانونية، ليست تنازلات ظرفية، بل شروط ضرورية لاستقرار المنظومة القضائية.
إن الدفاع ليس عبئًا على الدولة، بل اختبارًا لمدى التزامها بدولة القانون. وكل تأخير في معالجة هذا الملف بعقلانية ومسؤولية لا يؤجل الأزمة فحسب، بل يعمّقها. فإما أن يُعاد الاعتبار للدفاع كركيزة للعدالة، أو تُترك العدالة رهينة اختلالات لا يدفع ثمنها أصحاب المهنة وحدهم، بل المجتمع بأكمله.
