
صوت الأمة :وضاح عبد العزيز
تشهد الساحة الفنية المغربية ميلاد عمل كوميدي جديد يحمل عنوان «الشيبية ولخضر»، وهو كبسولة كوميدية قصيرة تراهن على قوة الفكرة وبساطة الطرح لتحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة ساخرة وذكية، تلامس الواقع الاجتماعي بروح خفيفة وإيقاع سريع يناسب المشاهدة الرقمية.
وتتراوح مدة حلقات هذه السلسلة بين خمس وسبع دقائق، حيث تستلهم روح الكوميديا الشعبية المغربية وتعيد تقديمها بأسلوب معاصر يعتمد على كوميديا الموقف والحوار المستوحى من الدارجة المغربية اليومية، ما يمنح العمل طابعًا طبيعيًا قريبًا من المتفرج.
تدور أحداث «الشيبية ولخضر» داخل فضاء منزلي بسيط، يتحول مع توالي الحلقات إلى مسرح لمواقف عبثية ومفارقات مضحكة، تقودها العلاقة المتوترة بين الشيبية وزوجها لخضر. علاقة زوجية تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تخفي الكثير من التناقضات، حيث يتقاطع الحب بالغيرة، والوفاء بالطمع، والخوف من الموت بسوء الفهم الدائم.
الشيبية امرأة مسنة قوية الشخصية، عاشقة للدراما، تجد في المرض والتلويح بالموت وسيلة للسيطرة على محيطها وإعادة ترتيب علاقاتها مع من حولها. في كل مرة تعلن فيها اقتراب النهاية، تستدعي الجيران والفقهاء والأطباء والعائلة للتسامح أو توزيع الصدقات أو حتى توديعها… غير أن المفاجأة أنها تعود في كل مرة إلى حالتها الطبيعية بطريقة غامضة، تاركة الجميع في دوامة من الحيرة والارتباك.
أما زوجها لخضر، فهو رجل بسيط تحكمه الغيرة والطمع أحيانًا، يعيش صراعًا دائمًا بين خوفه من فقدان زوجته ورغبته الخفية في الإرث الذي قد تتركه. ورغم محاولاته الظهور بمظهر الرجل المتحكم في بيته، فإنه غالبًا ما يجد نفسه الضحية الأولى لمكائد الشيبية ومواقفها المفاجئة.
وتزداد الأحداث تعقيدًا مع دخول شخصيات جانبية تضفي على العمل جرعة إضافية من الكوميديا، من بينها شخصية عو، القريب المقرب من الشيبية وخادم البيت، الذي يجمع بين العفوية والجرأة ويثير الكثير من الغيرة والارتباك لدى لخضر. كما يظهر عبو، الفقيه الانتهازي الذي يوظف الدين والحلمات والجن لخدمة مصالحه، في شخصية عبثية تجمع بين التهديد والضحك.
ولا تخلو السلسلة من حضور الطبيب الغريب الأطوار الذي يربك لخضر بنظرته العاطفية للشيبية، إلى جانب شخصية المقدم التي تجسد صورة السلطة المحلية في قالب ساخر يعكس بعض مفارقات الحياة اليومية.
ورغم طابعها الكوميدي الخفيف، تلامس السلسلة قضايا إنسانية واجتماعية قريبة من الواقع، مثل الخوف من الوحدة، وهاجس الموت، والغيرة داخل العلاقات الزوجية، والرياء الاجتماعي، واستغلال الدين، لكنها تقدم هذه المواضيع بأسلوب ساخر يعتمد على المفارقة بدل الخطاب المباشر.
ويجمع العمل نخبة من الوجوه الفنية المغربية، حيث يشارك في بطولته كل من أحد الشرعي، رجاء لطفين، زينب زعبول، الزوبير عميمي، عبد الرحيم الغزواني، عبد القادر دريشار، وصابرين حيدر، الذين يمنحون للشخصيات روحها الخاصة ويضفون على الأحداث طابعًا إنسانيًا قريبًا من الجمهور.
كما تعرف السلسلة مشاركة مميزة لعدد من ضيوف الشرف، من بينهم عبد اللطيف بختا، محمد وضاح، والشاب أمير باهي، في حضور يثري الحلقات ويضفي عليها تنوعًا في الأداء والمواقف.
ويأتي هذا العمل من إنتاج أحمد الجريري للعطور، في تجربة تهدف إلى دعم الإنتاجات الكوميدية القصيرة القريبة من الجمهور، بينما يتولى إخراج السلسلة الفنان عبد العالي النملي الذي يضع بصمته الفنية الخاصة على العمل، في حين يحمل النص توقيع السيناريست منير باهي الذي صاغ شخصيات السلسلة وحواراتها بروح ساخرة تستلهم نبض الحياة اليومية المغربية.
وتعتمد السلسلة على بناء درامي متصاعد، حيث تتطور الشخصيات تدريجيًا وتتشابك علاقاتها مع تقدم الحلقات، وصولًا إلى محطات أكثر جرأة ومواقف أكثر مفاجأة تدفع بالكوميديا إلى ذروتها.
وبهذا العمل، لا تسعى «الشيبية ولخضر» إلى تقديم الضحك فقط، بل إلى تقديم مرآة ساخرة لواقع اجتماعي يعرفه الجميع… واقع نضحك منه لأننا نرى فيه شيئًا من حياتنا اليومية.
