أنانية العاطفة الجماهيرية: هل يحب المشجعون منتخباتهم حقا – صوت الامة

أخر أخبار

أنانية العاطفة الجماهيرية: هل يحب المشجعون منتخباتهم حقا

12 يوليو 2026
A+
A-

صوت الأمة : عرفات محسن

في لحظات النصر، تبدو المشاهد السينمائية للجماهير وهي تجوب الشوارع حاملة الأعلام ومرددة الأناشيد، كأعلى تجليات الانتماء والوطنية. يرفع اللاعبون على الأعناق، وتنسج حولهم أساطير البطولات الخارقة. لكن، ما إن تأتي الهزيمة الأولى، حتى يتشقق هذا القناع الجميل دفعة واحدة، وتتحول منصات المديح إلى ساحات للإعدام المعنوي، ويصبح بطل الأمس (مثل أشرف حكيمي أو غيره من النجوم) الخائن والمسؤول الأول عن “النكسة”. هذا التحول الراديكالي والمفاجئ يضعنا أمام سؤال تفكيكي حارق: هل تحب الجماهير منتخباتها الوطنية ونقاط قوتها حقا، أم أنها تحب شيئا آخر تماما؟

الوهم الكبير: حب النصر لا حب الفريق

إن التفسير النفسي والسوسيولوجي الأكثر عمقا وصدمة لهذه الظاهرة يكمن في مفهوم “أنانية العاطفة الجماهيرية”. الحقيقة المجردة التي تتستر خلف الأهازيج هي أن الجمهور في الغالبية العظمى من تشكيلاته البنيوية الحالية لا يحب المنتخب الوطني لذاته، ولا يحب اللاعبين كبشر يصيبون ويخطئون، بل يحب “الشعور بالانتصار” الذي يمنحه إياهم هذا المنتخب.

إنها علاقة نفعية براغماتية مغلفة برداء عاطفي مقدس. المنتخب في مخيلة المشجع ليس منظومة رياضية تخضع لقوانين الربح والخسارة، بل هو آلة لإنتاج الدوبامين الفردي والجمعي، ووسيلة مجانية لرفع الأسهم النفسية للمشجع في محيطه.

سيكولوجية التعويض وعقد النقص

لكي نفهم لماذا يشتم المشجع نجمه المفضل عند أول تعثر، علينا أن نفهم ماذا تعني له الهزيمة. في واقع معقد مليء بالإحباطات اليومية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يهرب الفرد إلى كرة القدم بحثا عن تعويض عاطفي. يتحول فوز المنتخب إلى فوز شخصي للمشجع، يرمم به انكساراته الداخلية ويثبت من خلاله ذاته.

وعليه، عندما يخسر المنتخب، لا يرى المشجع في ذلك مجرد مباراة ضاعت، بل يراها سلبا لجرعة السعادة العاطفية التي كان ينتظرها، وإعادة قسرية له إلى واقعه المحبط. هنا تتجلى الأنانية في أبهى صورها: يشعر المشجع بالخيانة الشخصية من طرف اللاعبين، ويرتد حبه المفرط إلى كراهية موازية لها في الشدة. اللاعب لم يعد بطلا، بل أصبح اللص الذي سرق فرحة المشجع الأنانية.

آلية الانقسام والكبش: غياب التفكير البنيوي

تعاني العاطفة الجماهيرية من عجز بنيوي عن استيعاب المنطقة الرمادية. وفقا لآليات الدفاع النفسي الجمعي، يعجز العقل الجمعي عن رؤية النجم كإنسان ممتاز يمر بظروف سيئة، فإما أن يكون ملاكا معصوما وقت الفوز، أو شيطانا متخاذلا وقت الهزيمة.

ولأن العقل البشري يكره التفكير المركب ويبحث دائما عن التبسيط، فإن الجماهير تعمد إلى إسقاط خيبتها على كبش فداء رقمي غالبا ما يكون النجم الأبرز في الفريق. شتم هذا النجم وتحميله وزر الهزيمة بمفرده يمنح الجماهير عملية تطهير نفسي سريع، إنه نوع من العقاب الجماعي للاعب لأنه جرؤ على كسر صورة البطل الخارق ولم يلعب دور المخلص الأناني الذي رسموه له في مخيلتهم.

خاتمة: في نقد العاطفة الاستهلاكية

لقد حولت السوشيال ميديا وعصر السرعة التشجيع إلى فعل استهلاكي لحظي، تحكمه عقلية “ماذا قدمت لي في هذه الدقيقة؟”. إن الغضب العارم والشتم الذي يتلو أول هزيمة ليس دليلا على فرط الغيرة والوطنية كما يحلو للبعض أن يسميه، بل هو الدليل القاطع على أنانية هذه العاطفة.

الجمهور لا يشتم حكيمي أو رفاقه لأنهم قصروا في حب الوطن، بل يشتمهم لأنهم تسببوا في هزيمة الأنا الجماعية للمشجعين. إنها عاطفة تريد دائما صعود المنصات دون دفع ضريبة الوفاء في المنحدرات، عاطفة تحب نشوة الكأس لكنها تعجز عن حب القميص عندما يتسخ بعرق الخسارة وعثرات الطريق.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: