
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
في خضم الجدل الذي أثارته الهجرة الجماعية نحو سبتة، أعلن وزير العدل المغربي تمسك المغرب باستعادة القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، مؤكداً أن المغرب لن يتخلى عن أطفاله ومراهقيه.
لكن هذا الموقف يطرح أسئلة إنسانية لا يمكن تجاهلها.
ففي الوقت الذي تطالب فيه الدولة بإعادة القاصرين، ظهرت مقاطع مصورة لقاصرين مغاربة يعبرون بوضوح عن عدم رغبتهم في العودة إلى المغرب، ويطلبون البقاء في إسبانيا. وهنا يبرز السؤال: أين صوت هؤلاء الأطفال؟ وهل تتم دراسة رغبة كل قاصر وحالته ومصلحته بشكل فردي، أم أن القضية تحولت إلى مطلب سياسي بين دولتين؟
إذا كانت الدولة تقول إنها تدافع عن مصلحة أبنائها، فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف سيتم التعامل مع قاصر يقول بنفسه إنه لا يريد العودة.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تتعلق بمن لن يستطيعوا العودة أصلاً.
فخلال هذه المأساة فقد مغاربة حياتهم أثناء محاولة العبور، وارتفعت حصيلة الضحايا وفق تقارير صحفية إلى عشرات القتلى. كما كشفت تقارير عن مآسٍ لعائلات فقدت أبناءها خلال العبور.
وهنا يصبح السؤال أكبر وأشد إيلاماً:
المغرب يطالب باستعادة أبنائه الأحياء… ولكن من يطالب باستعادة أبنائه الذين ماتوا؟
أين الحديث الرسمي عن الجثامين؟
هل تم التعرف على هويات جميع الضحايا؟
هل تم التواصل مع أسرهم؟
وهل طالبت السلطات المغربية باستعادة جثامينهم ودفنها بكرامة؟
إن كرامة الإنسان لا تتوقف عند حدود الحياة. والقاصر الذي يرفض العودة له حق في أن يُسمع صوته وفق ما تقتضيه مصلحته وحمايته، أما الذي فقد حياته، فله أيضاً حرمة وكرامة وحق لأسرته في معرفة مصيره ودفنه بما يليق بالإنسان.
لذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الملف إلى مجرد صراع حول من يعيد القاصرين ومن يحتفظ بهم.
إنها مأساة إنسانية تكشف أسئلة أكبر عن لماذا وصل هؤلاء أصلاً إلى المخاطرة بحياتهم، ولماذا اختار بعضهم البحر والمجهول بدل البقاء في وطنهم؟
المطلوب اليوم ليس فقط المطالبة بإعادة القاصرين، وإنما أيضاً الاستماع إليهم، وفهم أسباب رفض بعضهم العودة، وفي الوقت نفسه عدم نسيان الذين دفعوا حياتهم ثمناً لهذه الرحلة.
فأبناء المغرب ليسوا فقط من ينتظرون العودة.
هناك من يريد العودة ولا يستطيع، وهناك من لا يريد العودة، وهناك من لن يعود أبداً.
وهؤلاء جميعاً يستحقون من الدولة جواباً واحداً:
أين كرامة الإنسان المغربي… حياً كان أم ميتاً؟


