الصحافة تُهان… ويُدَقّ آخر مسمار في نعش ما تبقّى من هيبة المهنة – صوت الامة

أخر أخبار

الصحافة تُهان… ويُدَقّ آخر مسمار في نعش ما تبقّى من هيبة المهنة

17 أغسطس 2026
A+
A-

صوت الامة : وضاح عبد العزير

لم تعد القضية اليوم مجرد خلاف بين مسؤول أو شخصية عمومية وبين مراسل يحمل ميكروفوناً. ما حدث تجاوز حدود الاختلاف في الرأي، لأن الإهانة حين تطال الصحفي أثناء أداء مهمته، فإنها لا تستهدف شخصه وحده، بل تمس صورة مهنة كاملة تتآكل هيبتها يوماً بعد آخر.

ولعل أكثر ما يبعث على القلق أن تتحول لحظة مهينة، مثل واقعة «البسق» التي أثارت الجدل، إلى مادة للتندر أو التبرير أو حتى الاحتفاء. فحين يصبح إهانة الصحفي أمراً يمكن الدفاع عنه، فنحن لا نتحدث فقط عن سلوك فردي، وإنما عن مناخ إعلامي قد يصبح فيه الصحفي الحلقة الأضعف، خصوصاً عندما يكون مراسلاً بسيطاً لا يملك سنداً ولا نفوذاً.

نعم، الصحافة ليست فوق النقد. والصحفي ليس معصوماً من الخطأ. قد يطرح سؤالاً غير موفق، وقد يبالغ في التعبير، وقد يخطئ في معلومة، وقد يقع في ممارسات تستوجب المحاسبة المهنية. لكن لكل ذلك أدواته وقواعده: الرد، التصحيح، الحجة، والاحتكام إلى القانون وأخلاقيات المهنة.

أما حين يتحول الرد إلى احتقار أو تجريح أو إهانة، فهنا يتغير معنى المشهد كله.

المشكلة أيضاً لا تكمن في وجود صحفيين يفتقدون إلى التكوين أو الخبرة. إن كانت هناك اختلالات داخل الجسم الإعلامي، فالمطلوب هو إصلاحها، وتنظيم المهنة، ورفع مستوى التكوين، ومساءلة من يسيء استخدامها. أما اختزال كل ذلك في تحقير المراسلين، فهو لا يخدم الصحافة ولا يخدم المجتمع.

والأخطر أن يصبح الصحفي مطالباً، قبل أن يطرح سؤاله، بأن يحسب ثمنه: هل سيغضب المسؤول؟ هل سيتعرض للسخرية؟ هل ستُمس كرامته؟ هل سيُشكك في مستواه الاجتماعي أو الدراسي أو المهني؟

إذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فإننا لا نملك صحافة حرة، بل صحافة تتعلم الصمت.

إن قوة الصحافة لا تقاس بعدد الميكروفونات ولا بعدد الكاميرات، وإنما بقدرتها على طرح الأسئلة التي قد لا يرغب البعض في سماعها. وإذا كان السؤال خاطئاً، فليكن الجواب واضحاً. وإذا كانت المعلومة غير صحيحة، فليُكشف خطؤها. وإذا تجاوز الصحفي حدود المهنة، فهناك قانون وأخلاقيات ومؤسسات قادرة على محاسبته.

لكن لا ينبغي أن يصبح الإذلال جزءاً من لغة التواصل مع الإعلام.

أما «البسق» الذي أصبح محوراً لهذا الجدل، فإنه لا ينبغي أن يتحول إلى بطولة أو إلى علامة قوة. لأن القوة الحقيقية ليست في إذلال من يقف أمامك بميكروفون، وإنما في امتلاك القدرة على مواجهته بالحجة والوقائع.

فالصحفي يستطيع أن يخطئ، ويمكن أن يُنتقد، ويمكن حتى أن يُحاسب. لكنه حين يُهان أثناء أداء مهمته، فإن الإهانة لا تتوقف عند شخصه؛ إنها تصل إلى المهنة كلها.

ولهذا، فإن السؤال اليوم ليس فقط: ماذا قال الصحفي؟

بل السؤال الأهم: إلى أي حد أصبحنا مستعدين لقبول إهانة الصحافة وكأنها أمر عادي؟

فإذا سقط احترام الميكروفون، سقط معه جزء من احترام السؤال. وإذا أصبح الصحفي يخشى الإهانة أكثر مما يبحث عن الحقيقة، فإن آخر مسمار قد يكون قد دُقّ فعلاً في ما تبقى من هيبة هذه المهنة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: