حين يصبح المغرب هاجسًا سياسيًا: فاكيرو يريد مواجهة المملكة… لكن هل يعرف فعلًا أي مغرب يتحدث عنه – صوت الامة

أخر أخبار

حين يصبح المغرب هاجسًا سياسيًا: فاكيرو يريد مواجهة المملكة… لكن هل يعرف فعلًا أي مغرب يتحدث عنه

14 أغسطس 2026
A+
A-

صوت الامة :وضاح عبد العزيز – مكناس

هناك تصريحات يمكن أن تمر باعتبارها مجرد كلام سياسي عابر، وهناك تصريحات تكشف شيئًا أعمق من مجرد اختلاف في الرأي.

ما صدر أخيرًا عن السياسي الإسباني روبرتو فاكيرو بشأن المغرب ينتمي، في تقديري، إلى النوع الثاني.

فاكيرو لم يكتفِ بانتقاد المغرب أو التعبير عن مخاوفه من سياساته، بل ذهب إلى خطاب شديد التصعيد، متحدثًا عن احتمال مواجهة عسكرية، وعن ضرورة الاستثمار أكثر في التسلح، وعن أهمية التعاون مع الجزائر في هذا السياق. كما تداولت مصادر إعلامية تصريحات منسوبة إليه تتحدث عن تسليح أطراف يمكن استخدامها في مواجهة المغرب، بل وصل الخطاب إلى الحديث عن «تدمير المغرب».

وهنا لا يعود السؤال: هل يحق لفاكيرو أن يكون معاديًا للمغرب؟

طبعًا يحق له أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يعارض، وأن يرفع صوته كما يشاء.

لكن السؤال الحقيقي هو: إلى أين يمكن أن يصل الخطاب السياسي عندما يتحول الاختلاف مع دولة إلى التفكير في تسليح أطراف أخرى لمواجهتها؟

هنا تحديدًا يصبح من المشروع أن نتوقف.

المغرب ليس جغرافيا بلا ذاكرة

يبدو أن بعض السياسيين الإسبان ما زالوا ينظرون إلى المغرب من خلال صورة قديمة: بلد يمكن الضغط عليه، أو تخويفه، أو تطويقه، أو استعمال خصومه الإقليميين ضده.

لكن المشكلة أن المغرب الذي يتحدث عنه فاكيرو اليوم ليس هو المغرب الذي يتخيله.

المغرب دولة لها مؤسساتها، ومصالحها، وعلاقاتها الدولية، وأوراقها السياسية والاقتصادية والأمنية.

والأهم من ذلك أن المغرب ليس دولة تبحث عن الحرب.

ومن المفارقات أن من يرفع شعار مواجهة المغرب عسكريًا هو نفسه الذي يتحدث عن الأمن والاستقرار ومواجهة المخاطر.

فهل تسليح المنطقة هو الطريق إلى الاستقرار؟

وهل فتح أبواب المواجهة بين المغرب والجزائر سيجعل إسبانيا أكثر أمنًا؟

وهل إشعال صراع جديد في غرب المتوسط سيحمي المصالح الإسبانية، أم سيضع أوروبا كلها أمام أزمة جديدة؟

إلى فاكيرو: إذا كان المغرب هو المشكلة، فلماذا كل هذا الخوف منه؟

هناك سؤال بسيط يستحق أن يُطرح على فاكيرو ومن يشاركه هذا الخطاب:

إذا كان المغرب ضعيفًا إلى هذا الحد، فلماذا كل هذا الحديث عن ضرورة التسلح لمواجهته؟

ولماذا يصبح الاتفاق مع الجزائر «حيويًا» في مواجهة المغرب؟

ولماذا التفكير في أطراف أخرى وتسليحها إذا كانت المواجهة محسومة أصلًا؟

الخطاب نفسه يكشف تناقضًا واضحًا.

فمن جهة، يُقدَّم المغرب أحيانًا في الخطاب المعادي له باعتباره دولة مهددة وضعيفة، ومن جهة أخرى يجري التعامل معه كقوة تحتاج إسبانيا إلى بناء تحالفات وتسليح أطراف لمواجهتها.

وهذا يعني شيئًا واحدًا على الأقل:

أن المغرب أصبح حاضرًا بقوة في الحسابات الاستراتيجية لمن يرفعون خطاب العداء له.

الخلاف مع المغرب لا يبرر اللعب بالنار

يمكن لأي سياسي إسباني أن ينتقد الموقف المغربي من سبتة ومليلية، أو الصحراء، أو الهجرة، أو العلاقات الثنائية.

هذا طبيعي.

لكن هناك فرقًا شاسعًا بين النقد السياسي وبين تحويل الخلاف إلى مشروع مواجهة.

حين يصل الخطاب إلى الحديث عن السلاح والتحالفات العسكرية وتدمير دولة، فإننا لم نعد أمام نقاش سياسي عادي.

نحن أمام خطاب يمكن أن تكون له عواقب خطيرة، خصوصًا في منطقة تعرف أصلًا توترًا تاريخيًا بين المغرب والجزائر، وتعيش بالقرب من فضاء أوروبي حساس.

والسؤال هنا ليس مغربيًا فقط.

بل إسباني وأوروبي أيضًا:

هل تريدون منطقة مغاربية مستقرة، أم منطقة مشتعلة تخدم الحسابات السياسية لبعض الأصوات المتطرفة؟

المغرب لا يحتاج إلى الرد بالصراخ

والرد على فاكيرو لا ينبغي أن يكون بالشتائم، ولا بالدعوة إلى الكراهية، ولا بالمطالبة بمواجهة الإسبان.

بل العكس تمامًا.

أقوى رد على خطاب متطرف هو أن نضعه في حجمه الحقيقي.

فاكيرو سياسي إسباني له مواقفه وأفكاره، وظهوره في برنامج «Horizonte» على قناة Cuatro موثق، كما أن القناة سبق أن استضافته في حلقات تناول فيها قضايا الهجرة وإسبانيا والمغرب العربي.

لكن فاكيرو ليس إسبانيا، وتصريحاته ليست بالضرورة موقف الحكومة الإسبانية أو الشعب الإسباني.

وهذه نقطة يجب ألا ننساها.

فالمغرب وإسبانيا تربطهما مصالح وشراكات ومصالح اقتصادية وأمنية وبشرية واسعة، ولا يمكن اختزال ملايين الإسبان في خطاب سياسي لشخص أو حزب.

أما الجزائر… فهنا سؤال آخر

حين يتحدث فاكيرو عن أهمية التعاون مع الجزائر في سياق مواجهة المغرب، فإنه يكشف أيضًا عن رؤية تختزل منطقة معقدة في معادلة بسيطة:

المغرب ضد الجزائر، وإسبانيا تختار موقعها.

لكن من قال إن مصلحة إسبانيا هي أن تصبح طرفًا في صراع مغاربي؟

ومن قال إن استقرار إسبانيا يتحقق بإعادة إنتاج التوتر بين الرباط والجزائر؟

ثم ماذا ستكون النتيجة إذا تحولت منطقة المغرب العربي إلى سباق تسلح مفتوح؟

لن تكون الحدود هي التي ستتضرر وحدها.

ستتضرر التجارة، والاستثمار، والهجرة، والأمن، والطاقة، وحركة الأشخاص، وكل المصالح التي تربط شمال المتوسط بجنوبه.

التاريخ لا يُمحى بالخطابات

المغرب لا ينسى تاريخه، كما أن إسبانيا لا تستطيع أن تتعامل مع الجغرافيا وكأنها تفصيل ثانوي.

المغرب موجود هنا، وإسبانيا موجودة هناك، وبينهما البحر الأبيض المتوسط.

لن تستطيع أي حملة إعلامية، ولا أي خطاب سياسي متشنج، تغيير هذه الحقيقة.

وإذا كان فاكيرو يعتقد أن المغرب يمكن «تدميره» بالتهديدات أو التحالفات أو السلاح، فعليه أن يتذكر أن الدول لا تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية.

الدول تُقاس أيضًا بقدرتها على حماية مصالحها، وبناء تحالفاتها، والحفاظ على استقرارها، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قوة سياسية واقتصادية.

أخطر ما في خطاب فاكيرو ليس المغرب… بل فكرة الحرب نفسها

المشكلة ليست في أن فاكيرو يكره المغرب.

الكراهية السياسية ليست اكتشافًا جديدًا.

المشكلة عندما تتحول الكراهية إلى مشروع.

عندما يصبح السلاح حلًا.

عندما يصبح تسليح الآخرين وسيلة.

وعندما يصبح «تدمير» دولة هدفًا مشروعًا في الخطاب السياسي.

هنا يجب أن يتوقف الجميع.

لأن الحرب عندما تبدأ، لا تسأل عن صاحب الفكرة.

ولا تميز بين السياسي الذي أشعلها والمواطن الذي سيدفع ثمنها.

وأخيرًا…

إلى روبرتو فاكيرو:

من حقك أن تنتقد المغرب.

ومن حقك أن تختلف مع سياساته.

ومن حقك أن تدافع عن المصالح الإسبانية كما تراها.

لكن ليس من حق أحد أن يحوّل البحر المتوسط إلى ساحة تجارب لأوهامه السياسية.

المغرب ليس عدوًا افتراضيًا يمكن تدميره في برنامج تلفزيوني، وليس دولة تنتظر من أحد أن يسمح لها بالبقاء.

وإذا كان فاكيرو يرى أن القوة هي الطريق الوحيد للتعامل مع المغرب، فليتذكر أن التاريخ أثبت مرارًا أن الجغرافيا لا تُهزم بالخطابات، وأن الشعوب لا تُختزل في صورة يرسمها سياسي غاضب أمام كاميرا.

أما المغرب، فالأجدى له أن يجيب عن هذا النوع من الخطاب بهدوء وثقة:

لا نبحث عن الحرب، لكننا لا نخاف من التهديدات.

ولا نريد تدمير أحد، لكننا نرفض أن يتعامل معنا أحد باعتبارنا مشروعًا للتدمير.

ومن أراد علاقات ندية، فالباب مفتوح.

ومن أراد المواجهة، فعليه أولًا أن يعرف من يقف أمامه.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: