تشريح “الدوكسا” في سياق التشكيك في مواجهة المغرب وفرنسا الكروية – صوت الامة

أخر أخبار

 تشريح “الدوكسا” في سياق التشكيك في مواجهة المغرب وفرنسا الكروية

16 يوليو 2026
A+
A-

صوت الأمة : عرفات محسن

لم تعد كرة القدم المعاصرة مجرد لعبة لتبديد الوقت أو ترفيه عابر، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية كلية (Fait social total) تتقاطع فيها السياسة، والهوية، والتاريخ، والاقتصاد. وحين تلتقي على أرض الميدان دولتان تحملان إرثاً كولونيالياً معقداً وتاريخاً مشحوناً من التفاعلات السياسية والثقافية كالمغرب وفرنسا، فإن المباراة تخرج فوراً من حدودها الرياضية الضيقة لتصبح شاشة كبرى تُسقط عليها الجماهير عقدها الدفينة، ومخاوفها، وتصوراتها المسبقة.

في هذا السياق المشتعل، برزت أصوات تشكك في نزاهة هذه المواجهة الكروية التاريخية، مروجة لسيناريوهات المؤامرة، من قبيل “بيع اللقاء” أو “التوافق في الكواليس السياسية” لتسهيل فوز طرف على آخر. لتفكيك هذه الظاهرة وفهم آلياتها النفسية والاجتماعية، يتعين علينا العودة إلى واحد من أعمق المفاهيم في الفلسفة وعلم الاجتماع: مفهوم “الدوكسا” (Doxa).

أولاً: الدوكسا الأفلاطونية وسلطة ظلال الكهف

في الفلسفة اليونانية الكلاسيكية، وتحديداً عند أفلاطون، تمثل “الدوكسا” الرأي العام السطحي والمشترك الذي يقوم على الإدراك الحسي الخادع، في مقابل “الإبستيمي” (Episteme) الذي يمثل المعرفة العلمية اليقينية القائمة على البرهان والتأمل العقلي.

حين نطبق هذا التعارض الثنائي على “تشكيك الجماهير” في مباراة المغرب وفرنسا، نجد أنفسنا أمام عملية هروب جماعي من مشقة “الإبستيمي الرياضي” (الذي يتطلب تحليلاً عقلانياً مبنياً على قراءة اللياقة البدنية، التكتيك الفني، فارق الإمكانيات الفردية، وتفاصيل الحظ الرياضي) إلى دفء “الدوكسا المؤامراتية”. الدوكسا هنا هي تلك الإشاعات الجاهزة التي تنتشر في الفضاء الأزرق دون رقابة عقلية؛ إنها شبيهة بظلال الكهف الأفلاطوني التي يراها السجناء فيظنونها الحقيقة المطلقة، هرباً من مواجهة شمس الواقع التي تفترض الندية الجسورة ولكنها تحتمل أيضاً الخسارة العادية كجزء من منطق اللعبة.

“الدوكسا ليست مجرد جهل، بل هي اعتقاد راسخ بالمعرفة يمنع صاحبه من البحث عن الحقيقة، مفضلاً يقين الوهم المريح على حيرة البحث الفعلي.”

ثانياً: دوكسا رولان بارت وتحويل التاريخ إلى طبيعة وبداهة

في الفكر البنيوي الحديث، اهتم السيميائي الفرنسي رولان بارت بتفكيك الأساطير اليومية المعاصرة (Mythologies)، واصفاً “الدوكسا” بأنها القوة الأيديولوجية التي تسعى إلى تحويل ما هو ثقافي، تاريخي، وسياسي مَصنوع إلى شيء “طبيعي وبديهي” لا يقبل النقاش.

في حالة مباراة المغرب وفرنسا، تعمل الدوكسا البارتية على “تطبيع” فكرة التبعية التاريخية. يقول لسان حال المشكك: “من الطبيعي والبديهي ألا تسمح فرنسا للمغرب بالانتصار عليها”، أو “من الطبيعي أن تُحسم الأمور سياسياً لفائدة المركز الكولونيالي”. هنا، تقوم الدوكسا بإلغاء طابع الندية المفاجئ الكامن في كرة القدم، وتحول الصراع الرياضي إلى حتمية مسبقة تعيد إنتاج موازين القوى القديمة. إن التشكيك في نزاهة اللقاء، من هذا المنطلق، هو استسلام لـ “الأكليشيه” الجاهز الذي يمنع العقل من تصور إمكانية انتصار الهامش على المركز خارج حدود الإملاءات الفوقية.

ثالثاً: دوكسا بيير بورديو واستدخال الهزيمة (العنف الرمزي)

لعل المقاربة السوسيولوجية لبيير بورديو هي الأكثر ملاءمة لتفكيك هذا التشكيك. يرى بورديو أن الدوكسا هي الوفاق الضمني وغير الواعي بين البنى الموضوعية للمجتمع والبنى الذاتية للأفراد. إنها تجعل المستَغلين يتقبلون شروط استغلالهم كأمر طبيعي ومفروغ منه، وهو ما يطلق عليه اسم “العنف الرمزي” (Violence symbolique).

إن التشكيك في فوز أو خسارة المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي، واعتبار النتيجة مجرد “تمثيلية سياسية متفق عليها”، يعكس في عمقه استدخالاً لا واعياً للهزيمة وتأبيداً لعقدة النقص. فبدل الإقرار بالندية التامة والقدرة الذاتية على مقارعة الكبار فوق رقعة الميدان كأنداد حقيقيين، يفضل الوعي المأزوم بالدوكسا تفسير الواقعة من منظور “المنفعل السلبي” الذي لا يملك من أمره شيئاً، معتبراً أن المركز (فرنسا) هو الفاعل المطلق الذي يكتب السيناريو ويمنح الهامش مجرد “أدوار ثانوية” مُصممة بدقة. هذا العنف الرمزي يجعل المشكك يُنكر المجهود البدني والمهاري لأبناء وطنه، ليُعيد قسراً وضع رقابهم تحت نير الهيمنة الأبدية المفترضة.

خاتمة: الانعتاق من أسر الدوكسا

إن تفكيك التشكيك الرياضي عبر أدوات “الدوكسا” يكشف لنا أن الأزمة الحقيقية ليست فوق العشب الأخضر، بل في البنى الذهنية التي تقرأ هذا العشب. كرة القدم في جوهرها ممارسة ديمقراطية ومتمردة، تحتمل المفاجأة وتكسر التراتبيات السياسية سريالياً.

لذا، فإن الانعتاق من “الدوكسا” المؤامراتية يستدعي الارتقاء إلى وعي رياضي وسياسي ناضج؛ وعيٌ يرى في رقعة الملعب مساحة للندية والتحرر والجهد البشري الخالص، بعيداً عن إسقاطات الوعي الشقي وعقدة التبعية المترسبة في دهاليز الذاكرة الجريحة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: