*لالة حليمة عسالي السمفونية الأطلسية الأصيلة – صوت الامة

أخر أخبار

*لالة حليمة عسالي السمفونية الأطلسية الأصيلة

11 يونيو 2026
A+
A-

صوت الأمة: *بقلم: الدكتور عيدودي عبد النبي*

عرفت السيدة لالة حليمة عسالي في شتاء سنة 2018 ببيت الحركة الشعبية، فكان أول ما شد انتباهي فيها ذلك المزيج النادر بين العلم والحكمة، وبين التجربة والتواضع، وبين قوة الشخصية ورقة المعشر. جلست إليها مستمعاً فوجدتني أمام امرأة لا تتحدث من فراغ، ولا تبني مواقفها على الانطباعات العابرة، بل على فهم عميق للناس، وإدراك دقيق للأحداث، ومعرفة ميدانية راكمتها عبر عقود من النضال والعطاء.

وجدت فيها الكرم والجود، والحلم الذي وافق اسمها فصار عنواناً لسلوكها، فكانت حليمة اسماً وحليمة خلقاً، حليمة عند الرضا، وحليمة عند الغضب، حليمة عند الوفاق، وحليمة عند الخصام. امرأة إذا أعطت أغنت، وإذا نصحت أخلصت، وإذا وعدت أوفت، وإذا تحملت الأذى صبرت واحتسبت.

ومنذ ذلك التاريخ، كلما اقتربت من هذه السيدة الجليلة ازددت يقيناً أنني أمام واحدة من آخر القامات السياسية والإنسانية التي لا تزال تؤمن أن السياسة أخلاق قبل أن تكون مواقع، وأن النضال رسالة قبل أن يكون مكسباً، وأن الوفاء قيمة لا تسقط بالتقادم.

لقد أنجبت جبال الأطلس رجالاً ونساءً حملوا في قلوبهم صلابة الصخر ونقاء الثلج وعزة القمم، وكانت حليمة عسالي واحدة من تلك النماذج النادرة التي ورثت عن الأطلس شموخه، وعن القبيلة أصالتها، وعن المدرسة الوطنية وفاءها للثوابت والمبادئ.

كانت الحركة الشعبية بالنسبة إليها أكثر من حزب سياسي، كانت بيتاً كبيراً، وأسرة ممتدة، ورسالة عمر، ولذلك وهبت لها من سنواتها ما لا يحصى، ومن جهدها ما لا يعد، ومن وقتها ما لا يقدر بثمن.

لقد رأيتها تجمع ولا تفرق، تصلح ولا تفسد، تبني ولا تهدم، تبحث دائماً عن المشتركات، وتؤمن بأن قوة الحركة الشعبية ليست في كثرة مؤسساتها، بل في تماسك أبنائها وبناتها، وفي قدرتهم على تجاوز الخلافات والانتصار للمصلحة العليا للحزب.

وكانت كلما اشتدت العواصف، ازدادت ثباتاً. وكلما تعقدت الأمور، ازدادت حكمة. وكلما ضاقت السبل، فتحت أبواب الأمل أمام الآخرين.

ومن أعجب ما يلفت الانتباه في شخصية حليمة عسالي تلك القدرة الاستثنائية على تحمل الأذى. فقد شاءت الأقدار أن تتعرض لما تعرض له كثير من أصحاب الفضل والإحسان؛ ترفع أقواماً فيحاول بعضهم التنكر لها، وتدفع آخرين نحو النجاح فيرد بعضهم الجميل بالجفاء، وتفتح الأبواب أمام الطموحين فيغلق بعضهم أبواب الوفاء خلفه.

كم من رجل وامرأة أخذت بأيديهم، وآمنت بكفاءاتهم، ودفعت بهم نحو مواقع المسؤولية والتأثير، حتى صاروا وزراء ومدراء ومنتخبين ومسؤولين، ثم كان بعضهم أول من نسي فضلها، وأول من خاصمها، وأول من حاول الإساءة إليها.

لكنها لم تكن ممن يتوقفون عند جراحهم، ولم تكن ممن يضيعون أعمارهم في معارك الانتقام. كانت تؤمن أن الزمن كفيل بكشف المعادن، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، فصبرت وصابرت واحتسبت، وبقيت واقفة كجبل أطلسي لا تهزه الرياح مهما اشتدت.

ولعل ما لا يعرفه كثيرون أن هذه السيدة لم تكن من أولئك الذين اكتفوا بإلقاء الخطب وإصدار التوجيهات. فقد دفعت من مالها الخاص ما لا يعلمه إلا الله، وساهمت في إنجاح مبادرات وأنشطة ومحطات تنظيمية كثيرة، وآثرت مصلحة الحزب على مصالحها الشخصية في أكثر من مناسبة.

لقد كانت تعتبر أن الانتماء الحقيقي لا يقاس بعدد الكلمات التي تقال، بل بحجم التضحيات التي تقدم. ولذلك بذلت من مالها ووقتها وجهدها وصحتها ما يجعلها بحق واحدة من كبار البنائين في تاريخ الحركة الشعبية.

كانت تعطي في صمت، وتساعد في خفاء، وتساند دون ضجيج، لأن همها لم يكن أن يصفق لها الناس، بل أن يستمر المشروع الذي آمنت به، وأن تبقى الحركة الشعبية قوية وقادرة على أداء رسالتها الوطنية.

أما الوجه الأجمل في شخصية حليمة عسالي، فهو وجه المرأة الصالحة المصلحة، التي جعلت من نشر الخير بين الناس منهج حياة.

فهي امرأة تؤمن بالمحبة، وتزرع الألفة، وتطفئ نيران الخلاف متى اشتعلت، وتبحث عن مساحات اللقاء حين يضيق أفق الاختلاف.

ولم تكن علاقتها بالحركيات والحركيين علاقة مسؤولة بأعضاء حزبها فقط، بل علاقة أم بأبنائها، وأخت بإخوتها، ورفيقة درب بمن يشاركونها هموم النضال.

كم من خلاف انتهى على يديها، وكم من جرح التأم بكلمة طيبة منها، وكم من مناضل وجد في نصحها ما أعاد إليه الثقة، وكم من مناضلة وجدت في دعمها ما أعانها على مواصلة الطريق.

لقد كانت ولا تزال تؤمن أن الأحزاب لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل تُبنى بالمحبة والثقة والاحترام المتبادل، وأن التنظيم الذي يخسر إنسانيته يخسر مستقبله مهما امتلك من الإمكانيات.

وفي حياتها الخاصة، كانت مثالاً للابنة البارة، والزوجة الوفية، والأم الرؤوم. نجحت في أسرتها كما نجحت في عملها العام، فجمعت بين مسؤوليات البيت ومسؤوليات النضال دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

ولعل مبادرتها الإنسانية في احتضان أزيد من مائتي فتاة من بنات الأطلس، وتحمل أعباء دراستهن وإقامتهن ومواكبتهن، تكفي وحدها لتكشف معدن هذه المرأة الاستثنائية.

فذلك العمل ليس مجرد مبادرة اجتماعية عابرة، بل رسالة إنسانية عظيمة، تؤمن بأن تمكين الفتاة القروية هو تمكين للأسرة والمجتمع والوطن.

وهكذا تبقى حليمة عسالي في نظري أكثر من اسم سياسي، وأكثر من قيادية حزبية، إنها مدرسة في الوفاء، وأيقونة في الصبر، ونموذج في العطاء، وامرأة استطاعت أن تترك بصمتها في القلوب قبل المؤسسات، وفي النفوس قبل المواقع.

وإذا كانت بعض الشخصيات تمر في الحياة كالأرقام، فإن حليمة عسالي مرت كالقيم؛ والقيم لا تموت، ولا تغيب، ولا يطويها النسيان.

*فحفظ الله هذه السيدة الأطلسية الأصيلة*، وأطال عمرها في الخير، وجعل ما قدمته لوطنها وحزبها وأبناء شعبها في ميزان حسناتها، وجزاها عن أجيال من الحركيين والحركيات خير الجزاء.

*والحديث عن حليمة عسالي حديث لا ينتهي*، لأن الحديث عن الوفاء لا ينتهي، والحديث عن العطاء لا ينتهي، والحديث عن القامات الكبيرة يبقى دائماً ينهل من بحور الكلمات الصا

دقة بصدق ووفاء لا ينتهي .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: