
صوت الأمة: عرفات محسن
أثارت الصور المتداولة مؤخراً لبعثة المنتخب السنغالي لكرة القدم، وهي تخضع لتفتيش بدني وتدقيق في الهويات على مدرج أحد المطارات الأمريكية، موجة عارمة من الاستياء والجدل على منصات التواصل الاجتماعي. وسرعان ما انبرت أصوات مستعجلة لربط المشهد بـ “العنصرية الأمريكية” أو “التعامل الفوقي” مع الوفود الإفريقية. لكن القراءة الهادئة والواقعية لبروتوكولات الطيران والأمن الفيدرالي في الولايات المتحدة تكشف زيف هذه الادعاءات، وتؤكد أن اللوم وكل اللوم يقع على كاهل الإدارة اللوجيستية للاتحاد السنغالي، لا على السلطات الأمريكية.
صرامة القوانين الأمريكية: مسطرة واحدة فوق الجميع
من يعرف النظام الأمني الأمريكي، وتحديداً وكالة أمن النقل (TSA) وإدارة الجمارك وحماية الحدود (CBP)، يدرك جيداً أنها منظومة “آلية” صارمة لا تعترف بالنجومية ولا تدير البروتوكولات بالعواطف. القوانين الفيدرالية هناك واضحة: أي مسافر لا يمر عبر البوابات والقنوات الأمنية الداخلية المعتادة داخل مبنى المطار، يجب أن يخضع للفحص الأمني واليدوي ميدانياً حيثما وُجد (حتى لو كان ذلك على أرضية المدرج وأسفل جناح الطائرة) قبل السماح له بالتحرك. ما حدث مع السنغال لم يكن استهدافاً عرقياً أو سياسياً، بل كان تطبيقاً حرفياً وجافاً لهذه المسطرة الصارمة. وبما أن اللوجيستيك السنغالي طلب دخول حافلة اللاعبين مباشرة إلى المدرج لتسريع العملية دون المرور عبر المسار الداخلي، فقد اضطر الأمن الأمريكي لنقل أدواته وفحص الوفد في الهواء الطلق. الأمن الأمريكي لا يملك رفاهية “الاستثناء” بناءً على ألوان القمصان أو شهرة الأسماء، بل يطبق “كتيب القواعد” (Rulebook) بحذافيره. وبالتالي، فإن ربط الحادثة بالعنصرية هو مجرد افتراء وتبرير عاطفي يفتقر للحجة القانونية والتنظيمية.
بالملموس: المقارنة مع نموذج تدبير البعثة المغربية
لتأكيد أن الخلل “سنغالي داخلي” وليس “أمريكياً ممنهجاً”، يكفي أن نضع هذه الواقعة في كفة المقارنة مع المسار اللوجيستي الرفيع الذي اعتمده المنتخب الوطني المغربي في رحلته إلى الولايات المتحدة.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وضمن رؤيتها الاحترافية لحفظ “صورة النخبة الوطنية” (Image de marque)، لم تترك مجالاً للصدفة أو الارتجال:
الاستباقية الدبلوماسية: قامت الجامعة، بالتنسيق المسبق والوثيق عبر القنوات الدبلوماسية وسفارة المملكة، بإرسال اللوائح الكاملة وتدقيق وثائق الهوية والأمتعة إلكترونياً مع السلطات الأمريكية قبل إقلاع الطائرة الخاصة للخطوط الملكية المغربية بأيام.
مسار كبار الشخصيات (VIP): لم يقف لاعبو المنتخب المغربي على مدرج المطار؛ بل تم تأمين انتقالهم وقوراً عبر القاعات الشرفية وصالات كبار الشخصيات، حيث تُنهى الإجراءات في دقائق وبشكل يحفظ هيبة الوفد ووقاره، بعيداً عن أعين الفضوليين وعدسات الكاميرات.
هذه المقارنة الملموسة تثبت أن الفارق بين المشهدين هو الفارق بين الاحترافية الإدارية والهواية اللوجيستية. المغرب دفع الرسوم اللازمة، نسّق بدقة، وفهم العقلية الأمنية الأمريكية فاحترم قواعدها لكي تحترم هيبته. في المقابل، قبل القائمون على البعثة السنغالية بحل مشوه ومجتزأ لكسب بضع دقائق، فوضعوا نجومهم (الذين يمثلون قارة بأكملها) في موقف لا يليق بقيمتهم الرياضية.
خاتمة: درس في التدبير الرياضي الحديث
في عالم كرة القدم المعاصرة، لم يعد اللوجيستيك مجرد تفصيل ثانوي، بل هو نصف القوة وعنوان هيبة الدول. إن لوم السلطات الأمريكية على تطبيق قوانينها السيادية هو هروب إلى الأمام؛ والدرس الحقيقي المستفاد من هذه الواقعة هو ضرورة أن ترتقي الاتحادات الإفريقية – حذو النموذج المغربي – بمنظومتها الإدارية والتنظيمية، فاحترام الوفود يبدأ أولاً من حسن تدبير مسؤوليها، لا من استجداء استثناءات أمنية من دول لا تؤمن إلا بالمساطر والقوانين.
