
صوت الامة : وضاح عبد العزيز
لم يكن افتتاح مهرجان “موازين.. إيقاعات العالم” لسنة 2026 مجرد سهرة فنية عادية، بل تحول إلى مشهد كاشف لحجم الهوة المتسعة بين ما يُقدَّم على المنصات وما يعيشه المواطن المغربي في تفاصيل حياته اليومية. فضعف الحضور الجماهيري خلال السهرة الافتتاحية، التي أحياها كل من سعد الصغير وحسن شاكوش، لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسار من التراجع في الذوق الفني، وسوء الاختيارات، وغياب أي قراءة حقيقية لانتظارات الجمهور.
المشهد الذي أظهر ساحات شبه فارغة، ومحاولات الإخراج إخفاء الكراسي الشاغرة بلقطات بعيدة وتركيز الكاميرا على الخشبة فقط، لم ينجح في حجب الحقيقة: هناك فتور واضح، ورفض متزايد لمهرجان يبدو أنه فقد جزءاً كبيراً من بريقه وقيمته الفنية. فالجمهور المغربي لم يعد يبحث فقط عن الأسماء المثيرة للجدل أو السهرات السريعة الاستهلاك، بل ينتظر مضموناً فنياً يرقى إلى مستوى اسم مهرجان يُسوَّق له كواجهة ثقافية عالمية.
لكن النقد هنا لا يتوقف عند ضعف البرمجة أو فشل سهرة الافتتاح، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: هل هذا هو التوقيت المناسب للاحتفاء بالبذخ الفني بينما فئات واسعة من المغاربة تعاني من الغلاء، وتدهور القدرة الشرائية، وصعوبات يومية في النقل، والصحة، والتعليم، والتشغيل؟ كيف يمكن إقناع مواطن يئن تحت ضغط الأسعار وفواتير الحياة بأن أولوية المرحلة هي صرف الملايين على السهرات والنجوم، بدل توجيه الجهد والمال إلى ملفات أكثر إلحاحاً وعدلاً؟
إن عزوف الجمهور عن الافتتاح ليس فقط حكماً على سهرة لم تنجح، بل رسالة واضحة بأن الشارع لم يعد يتفاعل مع المهرجانات بالمنطق القديم نفسه. الناس اليوم تريد سياسات ثقافية حقيقية، وعدالة في ترتيب الأولويات، واحتراماً لذكائها ولمعاناتها. أما الاستمرار في تقديم الفرجة كأنها منفصلة عن واقع اجتماعي مأزوم، فهو نوع من الإنكار الذي لا يزيد إلا من اتساع الفجوة بين المؤسسات والناس.
موازين، في صيغته الحالية، لم يعد في حاجة فقط إلى أسماء فنية أقوى، بل إلى مراجعة شاملة في فلسفته، وفي طريقة تنظيمه، وفي مبررات استمراره بهذا الشكل، لأن الجمهور لم يعد يكتفي بالتصفيق، بل صار يسائل: ماذا أضاف هذا المهرجان فعلاً للثقافة، ولصورة البلد، وللمواطن الذي يطلب أبسط شروط العيش الكريم؟
