تازة : من قتل الحقيقة قبل أن يدفن الضحية – صوت الامة

أخر أخبار

تازة : من قتل الحقيقة قبل أن يدفن الضحية

8 يونيو 2026
A+
A-

صوت الأمة: وضاح عبد العزيز

لم تكد صدمة وفاة رجل أمام باب مستشفى ابن باجة بتازة تهدأ، حتى برزت رواية جاهزة للتداول مفادها أنه كان “مختلاً عقلياً”. وصف انتشر بسرعة، وكأنه كافٍ لإغلاق النقاش وصرف الأنظار عن السؤال الأساسي: كيف مات إنسان أمام مؤسسة صحية وهو يبحث عن العلاج؟

قبل التسليم بهذه الرواية، يحق للرأي العام أن يتساءل: من شخص حالة الرجل؟ وعلى أي أساس تم تقديمه للرأي العام باعتباره مريضاً نفسياً؟ فإذا كانت المؤسسة نفسها لا تتوفر على مصلحة للطب النفسي، فكيف صدر هذا الحكم بهذه السرعة؟ وهل استند إلى ملف طبي موثق أم إلى مجرد انطباعات وتخمينات؟

التشخيص النفسي إجراء طبي دقيق، وليس وصفاً إعلامياً أو حكماً شعبياً. لذلك فإن إلصاق هذا الوصف بالضحية بعد وفاته يثير أسئلة أخلاقية وقانونية أكثر مما يقدم من أجوبة.

جوهر القضية لا يكمن في طبيعة المرض الذي كان يعاني منه الرجل، بل في كونه وصل إلى باب مؤسسة صحية يفترض أن تحمي الحياة، لينتهي جثة أمام أبوابها. وإذا كان يعاني فعلاً من اضطرابات نفسية، فإن ذلك لا يخفف المسؤولية، بل يضاعفها، لأن هذه الفئة تحتاج إلى رعاية ومواكبة أكبر لا إلى التهميش والإهمال.

اليوم، لا يتعلق الأمر بحادثة وفاة مؤلمة فقط، بل بسؤال أوسع حول الحق في العلاج، وواقع الصحة النفسية بالإقليم، ومدى جاهزية المؤسسات العمومية للتعامل مع المرضى الأكثر هشاشة.

الأخطر من المأساة نفسها هو السعي إلى تبريرها أو تزيينها إعلامياً بدل البحث عن الحقيقة. فعندما يموت إنسان أمام مؤسسة صحية، لا يكون المطلوب توصيف الضحية، بل معرفة الأسباب التي أوصلته إلى تلك النهاية.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً: هل مات الرجل بسبب مرضه فقط، أم بسبب منظومة كاملة تركته يواجه مصيره وحيداً أمام باب مستشفى كان من المفترض أن يمنحه فرصة أخرى للحياة؟

ذلك هو السؤال الحقيقي، أما ما عداه فليس سوى محاولة لدفن الحقيقة قبل أن يوارى الضحية الثرى.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: