
صوت الامة :وضاح عبد العزيز
شكل التقرير الأخير الذي قدمته زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، لحظة مكاشفة قوية أعادت إلى الواجهة سؤال الحكامة والمسؤولية في تدبير المشاريع العمومية، خاصة تلك التي دُشنت أمام جلالة الملك. فالأرقام التي كشف عنها التقرير لا تعكس فقط تعثراً تقنياً عابراً، بل تفضح خللاً عميقاً في منظومة التنفيذ والمتابعة خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2020.
لقد أبان التقرير أن نسبة الإنجاز لم تتجاوز 41% من مجموع المشاريع المبرمجة، في حين لم يُصرف فعلياً سوى 9% من الميزانية المرصودة لها، وهو ما يثير استغراباً مشروعاً حول مصير الموارد المالية، وحول الأسباب الحقيقية التي جعلت مشاريع ذات طابع استراتيجي تتحول إلى وعود مؤجلة. هذا الواقع يضع الحكومات المتعاقبة أمام مسؤولية تاريخية، ويطرح علامات استفهام كبرى حول مدى التزامها بتنزيل التوجيهات الملكية.
ولا يمكن فصل هذه المعطيات عن تجارب سابقة تركت جرحاً عميقاً في الذاكرة الوطنية، وعلى رأسها ما وقع في الحسيمة مع مشروع “منارة المتوسط”. غير أن التقرير يؤكد أن تلك الواقعة لم تكن استثناءً، بل نموذجاً لسلوك إداري اتسم بالتراخي، وغياب التنسيق، وضعف المحاسبة، ما أدى إلى تعطيل مشاريع كان من المفترض أن تُحدث تحولاً تنموياً حقيقياً في عدد من المناطق.
إن المشاريع التي يدشنها جلالة الملك ليست مجرد أوراش تقنية، بل هي تعاقد أخلاقي وسياسي مع المواطن، ورسالة واضحة مفادها أن التنمية أولوية وطنية لا تقبل التسويف. وعندما تفشل الإدارات المعنية في تنفيذ هذه المشاريع، أو تتعثر دون تقديم تقارير شفافة توضح الإكراهات الحقيقية، فإن الأمر يتجاوز سوء التدبير ليصل إلى مستوى الإخلال بالأمانة.
من هذا المنطلق، يبرز الدور المحوري للمجلس الأعلى للحسابات، ليس فقط كمؤسسة ترصد الاختلالات، بل كفاعل دستوري مطالب بالمساهمة في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فتعثر أغلب المشاريع لا يمكن اعتباره خطأً في التقدير، بل تقصيراً يمس مصالح الدولة العليا، ويستوجب مساءلة واضحة لا تسقط بالتقادم.
ختاماً، إن المغاربة اليوم لا ينتظرون تقارير إضافية بقدر ما ينتظرون أفعالاً ملموسة تعيد الثقة في المؤسسات، وتؤكد أن زمن الإفلات من المسؤولية قد ولى. فالتنمية التي يقودها جلالة الملك بوتيرة سريعة وطموحة تحتاج إلى إدارة بنفس الروح، وإلا تحولت المشاريع من رافعة للتقدم إلى شاهد على البلوكاج.
